"أعترف بأنني قد عشت".. سيرة شاعر يرى العالم شعرا
مهيب البرغوثي

"أعترف بأنني قد عشت" كتاب سيرة ذاتية للشاعر التشيلي بابلو نيرودا، الحائز على جائزة نوبل في الأدب سنة 1971. صدر الكتاب لأول مرة بالإسبانية عام 1974، وقد ترجمه محمود صبح إلى العربية سنة 1975.
بدأت أجزاء من مذكرات بابلو نيرودا بالظهور قبل صدورها في كتاب، إذ نشرت عشر حلقات منها في مجلة "أو كروزيرو" البرازيلية. ومع اشتداد مرضه في السنة الأخيرة من حياته، أدرك نيرودا اقتراب نهايته، فسارع إلى إتمام كتابة سيرته، وكأنه كان يسابق الزمن ليضع لمساته الأخيرة على حكايته الشخصية.
وطن عذب وقاس
في الفصل الختامي، من مذكراته يعكس نيرودا مشاعر مختلطة تجاه وطنه تشيلي، الذي يحبه بعمق رغم الصعوبات التي مر بها. يصف تشيلي بأنها "عذب" لجمالها الطبيعي وروح شعبها، و"قاس" بسبب الأزمات السياسية والاجتماعية التي تعرضت لها.
يتناول الأحداث السياسية التي عصفت بالبلاد، وخاصة الانقلاب العسكري الذي أدى إلى سقوط حكومة صديقه الرئيس سلفادور أليندي، وما تبعه من حزن وألم عميقين. يعبر نيرودا عن حزنه وخيبة أمله تجاه ما حصل، لكنه يبقى متمسكا بحبه لوطنه وبتضحيات شعبه.
الفصل يبرز الصراع بين الحب الوطني والواقع المرير، ويختتم بتأملات شاعرية عميقة حول الوطن، الحلم، والواقع، في إطار روح شاعر وقف على مفترق طرق بين التاريخ والسياسة.
في كتابه "أعترف بأنني قد عشت" يقدم الشاعر التشيلي العالمي بابلو نيرودا واحدة من أجمل السير الذاتية وأكثرها حرارة وامتلاء بالحياة. لا يروي نيرودا سيرته كأحداث متتابعة فحسب، بل يكتبها كمن ينشد قصيدة طويلة تتداخل فيها الذاكرة بالحب، والسياسة بالشعر، والمنفى بالحنين، والطفولة باتساع العالم.
سيرة ذاتية بروح شاعر
لا يسرد نيرودا ذكرياته بأسلوب تقريري، بل يكتبها كما يرى العالم: بلادا ووجوها ونساء وأصدقاء، قصائد ونضالا ومرافئ بعيدة.
من طفولته في الغابات الممطرة في تيموكو، مرورا بتجاربه في آسيا وأوروبا، ثم انخراطه في الحياة السياسية في تشيلي، وصولا إلى سنوات النفي والمطاردة.. يضع نيرودا القارئ أمام حياة تبدو أكبر من صاحبها.
الحب.. جوهر الحياة عند نيرودا
الحب بالنسبة إلى نيرودا ليس فصلا جانبيا في سيرته، بل نهر يشق الكتاب كله.
يكتب عن النساء اللواتي مررن في حياته، وعن ماريسول التي أحبها مبكرا، وعن زوجته ماتيلدا، وعن تلك اللحظات التي يختلط فيها الجسد بالشعر والرغبة بالكتابة.
الشعر كطريقة للوجود
يصر نيرودا في صفحات كتابه على أن الشعر ليس مهنة، بل أسلوب حياة.
ويكتب: "لم أختر الشعر، هو الذي اختارني".
وهكذا تصبح السيرة شهادة على حياة عاشها صاحبها وهو يكتب، وكتبها كما عاشها حتى لم يعد ممكنا التمييز بين الكتابة والوجود.
السياسة والنفي.. شاعر في قلب العاصفة
لم يكن نيرودا مجرد شاعر رومانسي، بل مناضلا سياسيا أيضا.
يستعيد في كتابه سنوات الاضطرابات في تشيلي، وصراعه مع الحكم الديكتاتوري، ومطاردته وهروبه عبر جبال الأنديز. كما يروي العالم الذي فتح له أبوابه من موسكو إلى المكسيك، ومع ذلك يظل صوت الإنسان -لا السياسي- هو الأكثر حضورا وتأثيرا.
لماذا يظل الكتاب حيا؟
ربما لأن نيرودا يكتب حياته كما لو أنه يكتب حياة كل إنسان: بحث عن المعنى، والحب، والحرية، والجمال.
إنه يقدم تجربة إنسان عاش بكامل طاقته، بكل أخطائه ورغباته وأحلامه، تاركا خلفه كتابا يشبه اعترافا أخيرا بكونه عاش… وعاش كثيرا.
مواضيع ذات صلة
في الذكرى الأربعين: ماجد أبو غوش.. الأثر الذي لا يزول
في تأبين الشاعر ماجد أبو غوش...
اتحاد الكتاب والأدباء: معين بسيسو حنجرة غزة التي لا تموت
الهوية الفلسطينية في معرض القاهرة الدولي للكتاب.. حضور يتجدد عبر الكلمة والفن
أساتذة لغة عربية وتاريخ: طه حسين ظُلم في أزمة "الشعر الجاهلي"
حين تصبح الكتابة نجاة.. قراءة في كتاب "ذاكرة العدوان" لبيسان نتيل
"الشاعر في رؤى نفسية" لوحيدة حسين