سؤال الذات سؤال القصيدة.. دراسات وشهادات وحوار مع الشاعر حميد سعيد
هيا صالح

نضال برقان في كتابه "حميد سعيد.. سؤال الذات سؤال القصيدة"، يقدم الباحث والكاتب العراقي عذاب الركابي رؤية نقدية محكمة للتجربة الشعرية العربية، مقاربا، عبر لغة ثرية تكاد تكون قصيدة في حد ذاتها، مفهوم الذات والذاكرة والمكان في الشعر العربي الحديث، وذلك عبر قراءة فاحصة لتطور شكل القصيدة لدى الشاعر حميد سعيد الذي ارتبط بالهوية والمكان.
يقترح الكتاب الصادر عن "الآن ناشرون وموزعون" الأردنية (2025)، أن الشعر ليس نصا يقرأ فقط، بل فضاء يعاش، وأنه حين تتداخل الذات بالقصيدة، تصبح الكتابة محاولة لفهم العالم، ومحاولة لفهم ما تبقى من الأحلام، وما لم يغادر القلب رغم كل شيء.
وبهذا يقدم الركابي عملا نقديا مختلفا في روحه وبنيته ومقاربته؛ فهو ليس مجرد دراسة تقليدية لتجربة شاعر عربي كبير، بل محاولة للغوص في جوهر الشعر ذاته، وفي الطريقة التي يتحول بها الشاعر إلى نص، ويتحول النص إلى امتداد حي لنبض الذات.
منذ الصفحات الأولى من الكتاب الذي يزيد على 150 صفحة يكتب الركابي بنبرة تعبيرية عالية، ينتقي مفرداته كما لو كان يرسم لوحة، ويقدم مدخلا فريدا يطرح فيه السؤال الذي يحكم الكتاب كله: لماذا اختار الشاعر حميد سعيد، وهذا السؤال ليس شكليا، بل بوابة لفهم طبيعة التجربة الشعرية التي يقدمها شاعر يمتد أثره لأكثر من نصف قرن في الشعر العربي الحديث.
ويوضح الركابي أن حميد سعيد لا يكتب الشعر بوصفه تقنية لغوية ولا مشروعا معرفيا فحسب، بل بوصفه حالة وجودية، بمعنى أن الشعر عنده أشبه بكهرباء داخلية، وبطبقة من الضوء تسري في الكلمات وتحولها إلى نبض وروح متمردة، وتظهر هذه الرؤية في تحليل الركابي لأغلب دواوين الشاعر، حيث يجد أن النص عند سعيد لا يبدأ من المألوف، بل من توتر الذات، من السؤال المستحيل، من رغبة الفرد في الإمساك بما يتفلت دائما؛ الزمن، والذاكرة، والحب، والوطن، والغياب..
وتبدو اللغة الشعرية عند حميد سعيد، بحسب الناقد الركابي، مضيئة وتتجاوز المعنى إلى ما وراء المعنى؛ وهي قادرة على إعادة تشكيل العالم عبر استعارات جريئة وصور مدهشة، حتى تكاد تتحول إلى لوحة أو مقطوعة موسيقية أكثر من كونها نصا مكتوبا، وهنا يتوقف الباحث طويلا عند حضور مدينة بغداد بوصفها مركز الحنين ورمز الهوية، وليس الحديث هنا عن مدينة، بل عن كيان داخلي يتقمص الشاعر ويعيش فيه، مدينة تتجاوز الجغرافيا لتصبح ذاكرة تولد من جديد في كل قصيدة.
ويرى الركابي أن بغداد لا تمثل بالنسبة لحميد سعيد مكانا وحسب، بل امرأة، وأم، وطفولة، وحلم، وأسئلة لا تنتهي، ويقرأ هذا التماهي بعمق، معتبرا أن كل قصيدة عن بغداد هي محاولة للتماسك أمام الانكسار، وللنهوض أمام الخراب، ولإعادة تشكيل الذات عبر اللغة التي تحفظ ما تبقى من جمال العالم، وفي هذا السياق يستشهد بالعديد من المقاطع التي يذوب فيها الشاعر بمدينة تسميه وتعيد خلقه، حتى يصبح الشعر ملاذا، والقصيدة سجلا عاطفيا للذاكرة الجمعية العراقية.
ومن أبرز ملامح تجربة حميد سعيد التي يبرزها الكتاب، قدرة الشاعر على مزج السرد بالشعر، وتوليد نصوص هجينة تتجاوز الحدود التقليدية، فالقصيدة عنده ليست غنائية فقط، بل مرئية ومسموعة ومحكية.
ويتتبع الركابي هذا التطور في ديوان "أولئك أصحابي"، حيث يتخذ الشاعر من ضمير المتكلم وسيلة لخلق شخصيات متعددة، تلتقي وتفترق، وتطرح الأسئلة ذاتها التي يطرحها الشاعر، فيصبح الصوت الذاتي صوتا جمعيا، مؤكدا أنه في هذا المزج بين السرد والشعر تتجلى عبقرية حميد سعيد في بناء ضرب جديد من القصيدة العربية؛ قصيدة تحكي ولا تتخلى عن موسيقاها، وتتصاعد كالمشهد، وتبني لغتها الخاصة دون أن تفقد شعريتها.
إلى جانب ذلك، يقدم الكتاب قراءة ثرية لطريقة تعامل الشاعر مع الزمن: زمن ينفلت، وزمن يستعاد، وزمن يروض عبر الحنين، فالقصيدة عند حميد سعيد، كما يرى الركابي، هي محاولة لا نهائية لمراوغة الزمن، وإعادة كتابة ما لا يمكن كتابته: لحظات العمر، وجروح الغربة، ووجوه الماضي التي تتلاشى، لافتا الانتباه إلى أن الشاعر لا يعيش المنفى بوصفه مكانا جغرافيا فقط، بل بوصفه جرحا معرفيا، وبوصفه حالة وجودية يتحول فيها الحنين إلى نوع من الخلاص.
ويرى الركابي أن ديوان "من أوراق الموريسكي" يمثل قمة النضج الفني لدى حميد سعيد، فالنصوص هنا ليست مجرد قصائد، بل تجربة لغوية وروحية تتكامل فيها الإشارة والرمز والتاريخ مع الصوت الداخلي للشاعر، وفي هذه المجموعة، يغدو الشاعر مرآة لأرواح عديدة: الموريسكي، الإنسان المنفي، الممزق بين الماضي والحاضر، الباحث عن بيت ضاع، وذاكرة تتسع لكل شيء إلا النسيان. وتتسم العبارة هنا بما يسميه الركابي "لغة القرنفل"، بمعنى أنها هادئة في ظاهرها، عميقة وملتصقة بأطياف الروح في باطنها، تعتمد على الإيحاء أكثر من التصريح، وتخلق عالما لغويا خاصا بها.
كذلك يعالج الكتاب العلاقة بين الذات والقصيدة بوصفها علاقة تبادلية؛ فالشاعر يكتب القصيدة، والقصيدة تعيد تشكيل الشاعر، وهنا يرى الركابي أن حميد سعيد واحد من الأصوات النادرة التي استطاعت أن تتحول فيها الذات إلى خطاب شعري، وأن تتحول القصيدة إلى مساحة لإعادة تعريف النفس والعالم، ففي نصوصه، لا يختبئ الشاعر خلف اللغة، بل يظهر بكامل ظلاله، بقلقه وفرحه وحنينه ووحدته، ويجعل من النص مجالا لطرح أسئلة وجودية تتقاطع مع أسئلة القارئ نفسه.
ولعل أهم ما يميز هذا الكتاب أنه لا يتعامل مع الشعر ببرود التحليل، بل يحتفي به، فالباحث عذاب الركابي الذي هو أيضا شاعر وإعلامي، لا يشرح القصيدة فقط، بل يعيش داخلها، يمشي في شوارعها، ويسمع موسيقاها الداخلية، ويكتب بلغة موازية للغة الشاعر، وهذا ما يجعل القراءة ممتعة وفنية بقدر ما هي نقدية عميقة.
مواضيع ذات صلة
في الذكرى الأربعين: ماجد أبو غوش.. الأثر الذي لا يزول
في تأبين الشاعر ماجد أبو غوش...
اتحاد الكتاب والأدباء: معين بسيسو حنجرة غزة التي لا تموت
الهوية الفلسطينية في معرض القاهرة الدولي للكتاب.. حضور يتجدد عبر الكلمة والفن
أساتذة لغة عربية وتاريخ: طه حسين ظُلم في أزمة "الشعر الجاهلي"
حين تصبح الكتابة نجاة.. قراءة في كتاب "ذاكرة العدوان" لبيسان نتيل
"الشاعر في رؤى نفسية" لوحيدة حسين