عاجل

الرئيسية » ثقافة »
تاريخ النشر: 29 تشرين الثاني 2025

ذاكرة تتكلم من بين الشرائط.. مسرحية "الصمت يدور"…

بقلم: ميس عاصي

في زمن نكاد نفقد فيه صوت الذاكرة، يعيدنا عرض "الصمت يدور" إلى تلك اللحظة الحميمية التي كان فيها شريط الكاسيت وسيلتنا إلى التوثيق، إلى الحنين، إلى حفظ ما نخشى نسيانه. غير أن هذه الشرائط التي كانت تجمع، صارت لاحقا تفصل— إذ تحولت الأصوات نفسها إلى جدران وهمية تقسم الأمكنة والذاكرات، وتحول المسافة بين الصوت والمكان إلى شبكة عنكبوتية لا تمسك الحقيقة تماما، لكنها تبقيها حية نابضة.

منذ المشهد الأول، يظهر المسرح شبه فارغ. على الطاولة مسجل كاسيت قديم، وشرائط متناثرة كأنها ذاكرة ممزقة. تدخل الممثلة كريستيل خضر بخطوات هادئة، حاملة أول خيط من الحكاية. تبدأ التسجيلات القديمة بالعمل، فنسمع أصوات الشهود:

صوت الممرضة السويدية إيفا ستال التي عاشت حصار تل الزعتر عام 1976،

وصوت الطبيب يوسف العراقي الذي كان في المخيم وقت المجزرة،

وصوت الصحفي أنديرسهاسلبوم الذي وثق الأحداث من الخارج.

تتحول الخشبة إلى مساحة أصوات متقاطعة، حيث يمتزج صوت خضر بصوتهم، فتغدو الممثلة قناة بين الماضي والحاضر. حلقة وصل بيننا وبينهم، هي لا تؤدي دورهم، بل تصغي إليهم. تعيد تفعيل ذاكرتهم بالصوت والجسد والإيماءة، وكأنها تحييهم مؤقتا في زمن يعاني من فرط الصمت، وضياع الذاكرة، وتشويه التاريخ.

 

 تل الزعتر.. جرح الذاكرة العربية

كان مخيم تل الزعتر واحدا من أكبر المخيمات الفلسطينية في لبنان، يقع في شرق بيروت، واحتضن آلاف اللاجئين الذين فروا بعد نكبة عام 1948، من صفد، عكا، حيفا، والجليل الأعلى.

خلال الحرب الأهلية اللبنانية عام 1976، فرض حصار طويل على المخيم استمر أكثر من خمسين يوما، قطعت فيه المياه والطعام والإمدادات الطبية، وانتهى باقتحام مجموعات مسلحة له وسقوط عدد كبير من الضحايا.

لم يكن تل الزعتر مجرد مكان؛ بل رمزا لكيف يمكن أن تحاصر الذاكرة مرتين— مرة بالجدران، ومرة بالصمت.

 

الربط بين الفكرة والمكان

ومن هنا يستمد العرض قوته: فهو لا يروي المأساة كحدث سياسي فحسب، بل كجسد حي، كصوت لا يزال يطالب بالاعتراف والإنصات.

يتدرج العرض بين التوثيق الشخصي والبعد الجماعي. تتكثف الأصوات، تقترب الشرائط من بعضها، حتى يصبح المسرح غرفة تسجيل حقيقية، حيث يتحول الجمهور إلى مستمعين لاعترافات مؤجلة.

مع كل تسجيل، يتكشف وجه جديد من الذاكرة: الخوف، الجوع، العزلة، ثم النهاية الصامتة.

لكن خضر لا تسعى إلى الصدمة، بل إلى الفهم- كيف يمكن للذاكرة أن تستمر رغم الرعب؟ وكيف يمكن للإنسان أن يروي ما لا يروى؟

في المشاهد الأخيرة، تتوقف التسجيلات تدريجيا. يسود صمت طويل، لكنه صمت مشحون بالحياة.

الممثلة تنظر إلى الجمهور، ثم تعيد تشغيل مسجل الكاسيت مرة أخرى- لا لتكرر الحكاية، بل لتذكرنا أن التكرار هو شكل من أشكال البقاء.

 

 مسرح يقاوم النسيان

"الصمت يدور" ليس مجرد عمل مسرحي، بل وثيقة فنية تعيد ربط الفن بالمسؤولية الأخلاقية والسياسية.

في زمن يحاول فيه البعض فصل المسرح عن السياسة، يقدم هذا العرض نموذجا معاكسا تماما: فالمسرح يمكن أن يكون مساحة للصدق والعدالة، صوتا للأرشيف ولمن فقدوا أصواتهم.

من خلال هذا العمل، تذكرنا كريستيل خضر ونديم ديبس أن الفن لا يقف على الهامش، بل هو جزء من معركة الذاكرة، ومن واجب الرواية المستمرة.

وبين الصمت والدوران، يعود الصوت الفلسطيني والإنساني ليملأ الخشبة من جديد، ويؤكد أن الذاكرة لا تموت، طالما هناك من يعيد تشغيل الشريط.

 

الخاتمة

 في النهاية، يظل "الصمت يدور، ذاكرة تتكلم" أكثر من عرض مسرحي، إنه مساحة يلتقي فيها الحاضر بأصداء الماضي، حيث يتحول الصمت إلى لغة والذاكرة إلى جسد يتكلم. كتبت هذه السطور بعد مشاهدتي لعرض في مدينة مونبلييه، هناك، في عتمة المسرح التي تتخللها أنفاس الممثلين، وجدتني أصغي إلى الصمت كأنه ذاكرة أخرى تعيد ترتيب الحكايات. لم يكن العرض مجرد تجربة فنية، بل مرآة تحدق في ما نحاول نسيانه، وتذكرنا بأن الذاكرة ليست مكانا، بل نفس يتردد فينا، فقد بقي صداه عالقا في داخلي كأنه دعوة إلى الإصغاء لما نحاول أن نسكته فيناـ لذلك الجزء الذي لا يزال يتذكر حتى حين نظن أننا نسينا.