رسول حمزتوف… حين تتحول داغستان إلى قصيدة
مهيب البرغوثي

"من لا يعرف وطنه كما يعرف وجه أمه، سيبقى غريبا في كل أرض".
رسول حمزتوف
كتاب لا يقرأ… بل يعاش
في الأدب العالمي، هناك كتب لا تقرأ، بل تعاش، ونتنفسها، وتبقى معنا نحملها في أرواحنا أينما ذهبنا.
ومن هذه الكتب الساحرة تأتي رواية "داغستان بلدي" للشاعر والأديب الداغستاني الكبير رسول حمزتوف، التي تجاوزت حدود الوطن لتصبح شهادة إنسانية عن علاقة الإنسان بوطنه، وعلى معنى الانتماء في عالم سرقته الماديات الحياتية.
يقول حمزتوف:
"في داغستان، الإنسان لا يقاس بما يملك، بل بما يعطي. والحرية لا توهب، إنها تنتزع بشجاعة القلب".
داغستان بلدي سيرة وطن
"ليست داغستان بقعة على الخريطة، بل قصيدة في صدور أبنائها".
جاءت رواية حمزتوف بلغة تمزج بين الشعر والفلسفة، فكانت كأنها سيرة ذاتية لوطن أكثر منها سيرة كاتب، قدم فيها داغستان كخريطة لقلب نابض بالحكايات والأساطير والأغاني الشعبية.
في كل صفحة تتجلى مشاهد الطفولة، ويحملك الحنين إلى أصوات القرى، وصدى الجبال، ودفء الناس الذين يصنعون من البساطة مجدا، ومن الفقر كرامة.
الوجود والإنسان في الرواية
تتخذ الرواية شكل تأمل طويل في الحياة والموت، في الحب والأمومة، وفي معنى أن تكون إنسانا قبل أن تكون مواطنا.
فالوطن عند حمزتوف ليس أرضا فقط، بل هو روح تتجسد في الذاكرة واللغة والأغنية.
يقول في الرواية:
"أمي لم تكن تعرف القراءة، لكنها كانت تعرف كيف تقرأ وجهي
كانت تعرف متى أنا حزين، ومتى يشتعل في صدري الحنين إلى الجبال".
بهذه العبارة يختصر حمزتوف فلسفته التي تجمع بين الشاعرية والحكمة الشعبية، بين صدق العاطفة وعمق الفكرة.
الصدق الإنساني في الرواية
سر نجاح الرواية في أسلوبها الإنساني القريب من القلب، في صدق الاحساس.
حتى حين ترجمت إلى العربية، لم يفقد النص روحه، لأن جوهره إنساني عالمي، يلامس ما هو مشترك بين البشر جميعا: الحنين، والانتماء، والبحث عن الجمال وسط القسوة.
رواية كتبت بماء القلب..لا تنسى
في زمن تتسارع فيه الأحداث وتضيع فيه المعاني، تظل "داغستان بلدي" تذكيرا بأن الأدب العظيم لا يموت.
إنه مثل الجبل الذي يطل من بعيد، ثابت في وجه الرياح، يحمل في صمته كل الحكايات التي تصنع معنى الحياة.
الترجمة الحقيقية للمشاعر الإنسانية
"إذا مت، فادفنوني في داغستان، لأن كل ذرة من ترابها تعرف اسمي".
رواية حمزتوف أقرب إلى مرآة ترى فيها ذاتك.
فحين يتحدث الكاتب عن داغستان الصغيرة المحاصرة بالجبال، نشعر وكأنه يتحدث عن أوطاننا نحن، عن القرى البعيدة التي لا تذكر في الأخبار، وعن الناس البسطاء الذين يكتبون تاريخهم بعرقهم وصبرهم.
وهكذا، تبقى "داغستان بلدي" عزاء جميلا، وإيمانا بأن الحب والانتماء ما زالا ممكنين في عالم يزداد برودة يوما بعد يوم.
سيرة ذاتية
رسول غامزاتوفيتش حمزاتوف
مواليد 8 سبتمبر 1923م في قرية تسدا بجمهورية داغستان (الاتحاد السوفييتي سابقا).
الوفاة في 3 نوفمبر 2003م في موسكو.
كان رسول حمزاتوف شاعرا للأرض والكرامة والإنسان، دافع عن قيم السلام، والمحبة، والوفاء للوطن، وقال عبارته الشهيرة: "من لا يعرف وطنه لا يعرف نفسه".
مواضيع ذات صلة
في الذكرى الأربعين: ماجد أبو غوش.. الأثر الذي لا يزول
في تأبين الشاعر ماجد أبو غوش...
اتحاد الكتاب والأدباء: معين بسيسو حنجرة غزة التي لا تموت
الهوية الفلسطينية في معرض القاهرة الدولي للكتاب.. حضور يتجدد عبر الكلمة والفن
أساتذة لغة عربية وتاريخ: طه حسين ظُلم في أزمة "الشعر الجاهلي"
حين تصبح الكتابة نجاة.. قراءة في كتاب "ذاكرة العدوان" لبيسان نتيل
"الشاعر في رؤى نفسية" لوحيدة حسين