عاجل

الرئيسية » ثقافة »
تاريخ النشر: 15 تشرين الثاني 2025

في الأرشيف

ماجدة العتوم*

هي في أرشيفه دائما، تعرف ذلك إلى حد اليقين، ولا تستطيع أن تفعل إزاء الأمر شيئا.

هي، كلامها، صورها، وأشياء كثيرة تدل عليها، احتفظ بها هناك في الأرشيف كمحاولة للنسيان والتخلص من تراكم الأشياء حوله وداخله.. لكنه لا يزال محتفظا بها.

تقول له: تخلص منها تماما، لتنسى.

يقول لها: لا أفعل، أعود إليها كثيرا، لأنجو.

هي في أرشيفه، يتراكم عليها غبار الأيام، وتبهت لونها تقلبات الطقس، أما تغيرات الوقت فتجعلها أحيانا مدعاة للضحك، ومدعاة للبكاء في أحيان أُخر.

ملقاة على كنبة بالية هناك، حيت تفوح رائحة الرطوبة والغياب، تجلس أمامها طاولة قديمة مخدوشة في كثير من جوانبها، على الطاولة كتب كثيرة ربما انتهى من قراءتها وربما قرأ أجزاء منها ولم يكملها، وتحت الطاولة صندوق مليء بأوراق مكتوب عليها بخط يده رسائل لنساء عرفهن وربما أحبهن، ولأصدقاء ربما ماتوا او أنهم لا يزالون على قيد الركض، ونصوص كثيرة لم تكتمل. يقف إلى جانبها حامل ضوء لا مصباح فيه، لكن ضوءا كان ينبعث طوال الوقت، ضوءا قليلا، لكنه كاف لترى، لم تدرك يوما كنهه، أو لعلها لم تحاول أن تفعل، خلف الكنبة تماما، خزانة تغص بكل شيء، الملابس القديمة، التحف الغريبة، ساعات ولوحات وقوارات زرع بلا زرع، وسكاكين، سكاكين بأشكال مختلفة، وأشياء أخر كثيرة لا يمكن الانتهاء منها، تماما مثل متجر للتحف القديمة حيث ستلقى أشياء متنوعة ولن تدرك العلاقة بينها اللهم سوى القدم.

وحيدة هناك، في بعض الأحيان يتذكر أن يلقي عليها شرشفا تفوح منه رائحة موت مؤجل، يجفل قلبها المؤرشف المشرشف، لكنه يهدأ حين تربت يداه عليه كمن يطمئن ميتا أنني لن أتخلى عنك تماما، سأظل أعود لزيارتك كلما أوحش الزمان.

هي في أرشيفه، امرأة كانت قادرة على الركض والقفز والرقص والضحك بلا انتهاء وبلا سبب سوى أنها سعيدة بوجوده، تضحك حتى من نفسها حين تعرف أنها لم تفهم النكتة كما ينبغي لها، وتضحك حين يتلو على مسامعها نصا، فتقول له إنه جميل، ثم بعد حين، تلقى ذلك النص معها في الأرشيف.

امرأة كانت خفيفة، تقوم إلى كل شيء، تزرع، تطبخ، تكنس، تؤثث بيتا، ترتب مكتبة، وتغني طوال الوقت. وتغادر المكان الذي لا تجد نفسها فيه.

أما في الأرشيف، يمر عليها الزمان بطيئا تارة وسريعا تارة أخرى، يملأ الغبار تجاعيد وجهها ويديها، ويبطّئ الغياب حركتها ورغبتها في فعل أي شيء، ربما تقلب كتبه وأوراقه، ربما تنبش في خزانته، أو تحاول إصلاح الضوء، لكنها في كل مرة تدرك أن الزمان جعل روحها تتآكل شيئا فشيئا بانتظار ألّا ينساها فعلا.

ذلك المساء، جاء حزينا يمسح الصدأ عن قلبه، وفي عينيه دمعة. راح يتلمس بيديه النحيفتين مكانها في الظلام، رفع الشرشف عنها، جلس على الطاولة قبالتها، أضاء المكان بمصباح كان يحمله، قفز قلبه حين شعر أن ملامحها قد بدأت تتلاشى، حاول أن يمسح الغبار عنها، أبعدت يده عنها وتمتمت بصوت لا يكاد يسمع: كان أحرى بك لو تخلصت مني للأبد.

تمتم بدوره مشيرا إلى النقطة التي كان ينبعث منها الضوء: كان الباب مواربا طوال الوقت، لماذا لم تهربي؟

-------

* قاصة أردنية