عن رواية نافذ الرفاعي.. أحلام القعيد سليم
محمود شقير

1
عن مكتبة كل شيء، حيفا لعام 2025 وفي 150 صفحة صدرت رواية الأديب نافذ الرفاعي الموسومة بـ"أحلام القعيد سليم" وهي رواية معرفية حافلة بالمعلومات والمعارف والإشارات الثقافية والإحالة إلى بعض الرموز الدينية الموغلة في القدم، في مسعى مثابر للتدليل على قوة الإنسان وعظمته حين يتسلح بالأمل، ولا يترك فرصة لليأس لكي يستبد به أو يسيطر عليه.
نحن هنا أمام شاب اسمه سليم من أسرة فلسطينية تعيش ظروفا قاسية بسبب الفقر، وبسبب تعرض سليم لحادث عمل حين انهار عليه سقف ورشة البناء فلم يقتله لكنه أورثه شللا أصاب نصفه السفلي وجعله في عداد ذوي الاحتياجات الخاصة، فلم يحتمل والده هذا الذي أصاب ابنه، فأصبح يمضي وقته في احتساء الخمر لعله ينسى المصاب.
ولم يحتمل أخوه سامي هذا الذي أصاب أخاه، فأصيب بانهيار نفسي أوصله إلى مستشفى للأمراض النفسية، الأمر الذي رتب على الأم أعباء جمة لإعالة الأسرة المنهارة.
وقد بقيت الفتاة أمل شقيقة سليم محافظة على توازنها مستعدة في كل وقت لمساعدة شقيقها المشلول، دون أن تسلم من عواقب الوضع المزري للعائلة حين وقعت في حب ابن الجيران، وكان راغبا في طلب يدها والزواج بها لولا أن أهله رفضوا تلبية رغبته بمصاهرة أسرة فقيرة فيها أب مدمن على الخمر وأخ نصف مجنون.
2
يمكن قراءة هذه الرواية على نحو أفقي باعتبارها رواية مكرسة للدفاع عن ذوي الاحتياجات الخاصة، وللتركيز على ما لديهم من إمكانات للتفوق وللتعويض عن أجزاء الجسم التي أصابها العطب باستنفار وتقوية أعضاء أخرى في الجسم تنهض بالتحديات المطلوبة لإثبات الوجود الذي يحفظ كرامة الشخص من ذوي الاحتياجات الخاصة ولا يجعله عالة على غيره.
شاهدنا ذلك حين اشتغل سليم في التجارة ليعول أسرته وينقذها من سطوة الفقر، وفي ظني أن الأستاذ نافذ قدم لنا أسرة غريبة بعض الشيء، وليست من النمط السائد في المجتمع الفلسطيني، لكي يبرز دور سليم في التصدي لإنقاذها.
3
بعد العمل في التجارة يظهر سليم في أدوار أخرى تتطلب شجاعة وإقداما وتهورا في بعض الأحيان لكي يجري تأكيدا أن من يصاب بعاهة في مجرى حياته اليومية يمكنه أن يواصل هذه الحياة دون يأس أو تخاذل أو ضعف، ويمكنه أن يتسلح بالإرادة والتصميم والأمل كي يحقق ما يريد.
ولكي تبدو شخصية سليم مقنعة للقراء بعيدة من المبالغات يؤكد السارد على أن بطل الرواية هذا لا يمكنه أن يعتمد بشكل كلي على ذاته، ولا بد من توفر مساعدة له تعينه على مشقات الحياة وضروراتها، وهي ماثلة هنا في شخصية أمل التي لم تتخل عن أخيها المصاب، وفي شخصية عواطف حبيبة سليم التي هجرته قبل سبع عشرة سنة ثم عادت إليه بعد صراع مرير مع زوجها الذي غرر بها وأقنعها بأن تتزوجه، ليتكشف عن شخص مستبد سيء في تعامله معها كما لو أنها مجرد خادمة له، فاضطرت إلى الانفصال عنه والعودة من الخارج إلى الوطن لتعرض على حبيبها الأول سليم الزواج، فلا يتردد بل إنه يفرح لهذه المفاجأة المدهشة.
4
يمكن بالطبع قراءة الرواية بصفة كونها بنية رمزية قابلة لتأويلات اجتماعية ودينية وفلسفية، يفترض فيها جميعا أن تزكي قوة الإرادة البشرية والتصميم على تحدي الصعاب، ذلك أن بطل الرواية سليم الذي يعاني من شلل نصفي يتحدى ضعفه ويقرر تسلق بلوطة الخليل التي تدلل على بعد ديني له علاقة بالنبي إبراهيم، ثم يعدل عن ذلك ويذهب إلى مدينة القمر ليتسلق جميزة أريحا التي ترتبط بعلاقة مع السيد المسيح، حين صعد عليها ذلك القصير القامة زكا العشار لكي يتمكن من مشاهدة المسيح.
هنا يبرع نافذ الرفاعي في إدارة الحدث بسرد يتناوب عليه السارد بضمير الغائب، وسليم بضمير المتكلم، وعواطف بضمير المتكلم أيضا، وهي حبيبة سليم التي عادت إليه بعد غياب سبع عشرة سنة، ووقفت بين الجمهور الذي يتابع صعود سليم على الشجرة لتشجع حبيبها على الثبات وعدم التراجع، وفي الأثناء ومع كل خطوة كان يخطوها سليم إلى الأعلى كان يستحضر مشاهد من الماضي الخاص بعلاقته مع عواطف، وبعلاقاته مع أسرته، وباسترجاع تفاصيل عديدة شكلت حياته بشكل عام.
5
هنا مع عملية الصعود المثابرة وتراجعه في خطوة واحدة وحيدة محبطة تحضر في ذهن المتلقي، وربما بإيحاء من الكاتب، أسطورة سيزيف الذي يحمل صخرة على كتفيه ويصعد بها إلى أعلى، وقبل أن يصل القمة ينزلق رغما عنه إلى أسفل، عقوبة له من آلهة الإغريق، ليعاود الصعود من جديد وإلى ما لا نهاية، في مسعى عبثي مريع.
وهي الأسطورة التي أعطاها الفيلسوف الفرنسي الوجودي ألبير كامو تفسيرا جديدا يتلاءم مع الوجودية مؤداه أنه مع وجود هذا العبث المتمثل في حمل الصخرة والصعود بها ثم الهبوط القسري، فإن على الإنسان ألا يضعف أمام هذا المصير وعليه أن يتمرد على هذا العبث.
شبيه بهذا صعود سليم إلى قمة الجميزة بالاعتماد على قوة ساعديه. فقد اتسم بالمثابرة والتصميم على وصول القمة. وبالفعل فقد وصلها محققا نجاح مسعاه الممزوج بفرحه بالزواج القريب بالحبيبة عواطف.
وفي لحظة مفاجئة ينقصف الغصن الذي استقر عنده في القمة ويسقط إلى أسفل، بعد أن ترك وراءه أثرا باقيا يذكر بالكفاح العظيم الذي اجترحه ويجترحه أبطال عاديون من بني البشر.
مواضيع ذات صلة
في الذكرى الأربعين: ماجد أبو غوش.. الأثر الذي لا يزول
في تأبين الشاعر ماجد أبو غوش...
اتحاد الكتاب والأدباء: معين بسيسو حنجرة غزة التي لا تموت
الهوية الفلسطينية في معرض القاهرة الدولي للكتاب.. حضور يتجدد عبر الكلمة والفن
أساتذة لغة عربية وتاريخ: طه حسين ظُلم في أزمة "الشعر الجاهلي"
حين تصبح الكتابة نجاة.. قراءة في كتاب "ذاكرة العدوان" لبيسان نتيل
"الشاعر في رؤى نفسية" لوحيدة حسين