غزة والفاشر.. كلتاهما يعيشان على حدود الموت
مهيب البرغوثي

تمتد مساحة من الألم الإنساني تشبه صحراء طويلة من الرماد والبحر والدم. ما بين غزة والفاشر، مدينتان تفصل بينهما القارات وتجمعهما الذاكرة، كلتاهما تقفان على حافة البقاء، وتكتبان بدم كثير معنى الثقافة حين تتحول إلى درع خفيف في وجه العدم.
في غزة، تتنفس المدينة على إيقاع القصف، لكنها لا تصمت. فالشعراء هناك يكتبون تحت الدخان كما لو أن اللغة آخر ما تبقى من الهواء. يرسم الفنانون وجوه المدينة على الجدران، يلونون السماء لتبدو أقل قسوة، ويحولون الحطام معرضا مفتوحا على العالم. كل حجر في غزة يتحول إلى حرف، وكل بيت مهدم إلى قصيدة جديدة تعيد كتابة الحياة.
وفي الفاشر، عاصمة الوجع السوداني، تنبعث الأغاني من رماد البيوت الطينية. هناك، لا تزال النساء يغنين على ضوء النار كي لا يطفأ الإيقاع. القصص القديمة تروى لتمنح الأطفال معنى المستقبل الذي يحلمون به، والحكايات الشعبية بديلا عن المدارس الغائبة. فالثقافة في الفاشر ليست رفاهية، بل وسيلة للنجاة من الفقد، من النسيان، ومن وحشة العالم.
ما يجمع غزة والفاشر أكبر من الجغرافيا. كلاهما يعيشان على حدود الموت، ومع ذلك يصران على إنتاج الجمال. هناك، كما هنا، يقف الإنسان عاريا إلا من صوته. يواجه العالم بالكلمة، بالرقصة، بالأغنية، وبذاكرة تصر على الحضور. هذا الإصرار الثقافي هو ما يجعل من الألم مادة للوعي، ومن الحطام نصا مفتوحا على الأمل.
في الحروب، تصبح الثقافة فعل مقاومة لا يقل عن السلاح، تحافظ على الصورة الاولى للإنسان، تعيد تعريف المدينة كلما حاول الخراب محوها/ تسقط المدن، يبقى الشعر واقفا، شاهدا يقدم شهادته عن كل ما حصل من موت وخراب للمدينة وللذاكرة. في الحرب يكثر الشعراء والكتاب وتصبح الثقافة ترفا، اللغة الوحيدة التي تستطيع أن تروي سيرة البقاء حين تهبط البيوت على ساكنيها.
ما بين غزة والفاشر تتقاطع الذاكرة العربية والإفريقية في جرح واحد، وتنفتح على سؤال وجودي: كيف نحيا رغم كل هذا الخراب؟ الجواب يأتي من هناك، من النساء اللاتي يغنين رغم الجوع، ومن الشعراء الذين يكتبون رغم العتمة.
الثقافة، هي الوعد بالاستمرار، شجاعة أن يظل الإنسان إنسانا، مهما تكاثفت عليه الحروب.
هكذا تلتقي غزة والفاشر في المشهد نفسه.. مدينتان تنزفان، لكنهما تنبتان وردا من الرماد، وتعلمان العالم درسا في الصمود الجمالي. فحين يعجز السلاح عن الحسم، تكتب القصيدة التاريخ من جديد، بلغة أكثر صدقا وأشد إنسانية.
إنها الثقافة ذلك الكائن الخفيف الذي لا يقصف تظل دائما آخر ما يبقى حين يمر الليل وتسدل الستارة على كل هذا الرعب.
مواضيع ذات صلة
في الذكرى الأربعين: ماجد أبو غوش.. الأثر الذي لا يزول
في تأبين الشاعر ماجد أبو غوش...
اتحاد الكتاب والأدباء: معين بسيسو حنجرة غزة التي لا تموت
الهوية الفلسطينية في معرض القاهرة الدولي للكتاب.. حضور يتجدد عبر الكلمة والفن
أساتذة لغة عربية وتاريخ: طه حسين ظُلم في أزمة "الشعر الجاهلي"
حين تصبح الكتابة نجاة.. قراءة في كتاب "ذاكرة العدوان" لبيسان نتيل
"الشاعر في رؤى نفسية" لوحيدة حسين