عبد الرزاق قرنح ورواية "ذاكرة الرحيل".. الذاكرة والمنفى كجغرافيا للروح
مهيب البرغوثي

من وقت ليس بقريب، ربما من سنوات تعودت أن اقرأ للكاتب الذي يحصل على جائزة نوبل بعد سنوات على فوزة وليس في السنة نفسها؛ لأنني احب الأكل البايت فيه متعة بالنسبة لي لذيذة؛ والأن بعد 4 سنوات على فوز رواية الكاتب التنزاني بجائزة نوبل عام 2021 رواية "ذاكرة الرحيل" ترجمتها عن الإنجليزية الشاعرة والمترجمة السورية عبير عبد الواحد وصدرت عن دار أثر للمنشورات في السعودية.
الهوية والأدب
يعد الروائي التنزاني عبد الرزاق قرنح أحد أبرز الأصوات الأدبية التي تناولت قضايا الهوية، والمنفى، والاستعمار وما بعده في الأدب الحديث. ولد قرنح في زنجبار عام 1948، اسم زنجبار مكون من كلمتين عبارة عن "زنج" و"بر"، أي بر الزنوج أو أرض الزنوج وهي جزيرة تنزانية استوطنها خليط من الجنسيات والحضارات، واضطر إلى مغادرة بلده في شبابه بسبب الاضطرابات السياسية، ليستقر في بريطانيا ويبدأ مسيرته الأدبية التي تكللت بفوزه بجائزة نوبل للآداب عام 2021.
المنفى كذاكرة
تشكل سيرة عبد الرزاق قرنح خلفية أساسية لفهم أدبه؛ فقد عاش تجربة الاقتلاع من الوطن والعيش بين ثقافتين- الإفريقية والعالم الغربي.
يكتب قرنح بلغة إنجليزية مشبعة بروح المكان الإفريقي، وبحس إنساني يعكس حنين المهاجر ووجعه يقول في الرواية "كان يحلم بالرحيل، بمكان يمكن أن يبدأ فيه من جديد، حيث لا يعرف أحد خيباته".
من هنا يمكن القول إن المنفى في أدبه ليس فقط مكانا جغرافيا، بل حالة وجودية تعيد تشكيل الذاكرة والهوية.
"ذاكرة الرحيل".. البدايات المرة
تدور الرواية حول شاب يعيش في بلد إفريقي مضطرب سياسيا واقتصاديا، يحلم بالرحيل بحثا عن حياة أفضل.
من خلال البطل، يرسم قرنح صورة مجتمع مأزوم بالعنف والفقر والتفاوت الطبقي، والرحيل يحمل ألم الفقد وأمل التحرر في الوقت ذاته.
العنوان نفسه "ذاكرة الرحيل" يوحي بأن الرحيل لا يمحو الذاكرة، بل يثقلها، فالمغادرة لا تعني النسيان بل مواجهة الذات من مسافة.
طفولة بطل معثرة
ضمن نثر مقتصد ولكنه حي وزاخر بالتفاصيل، تصور هذه الرواية المؤثرة، عن بلوغ سن الرشد، المشاهد والأصوات والمناظر الطبيعية الغريبة والمميزة لمدينة ساحلية في شرق إفريقيا، والولادة الروحية لصبي حساس في الخامسة عشرة ينتمي إلى عائلة ينخرها الفقر وتعيث الرذيلة فيها والفساد. في غمار هذه المشقة، بما فيها من عنف ويأس، يزمع الشاب اليافع حسان عمر أمره على الهروب.
من منظور أشمل، يحل استقلال البلاد مع اضطرابات جديدة علاوة على خيانة الوعد بالحرية. وبدافع الخوف من هجرة مواطنيها الأكثر قدرة وكفاءة، تثني الحكومة الجديدة الشباب عن السفر إلى الخارج، وترفض إعلان نتائج الامتحانات. وإذ حرم حسان عمر منحته الدراسية يقرر السفر إلى نيروبي للإقامة في بيت خاله الثري، على أمل أن يفرج الأخير عن نصيب والدته الشرعي من ميراث العائلة.
اصطدام أسرار الماضي مع آمال المستقبل، ومزيج الخوف والإحباط، والجمال والوحشية، تخلق كلها مجتمعة حكاية عنيفة ومريرة ترتكز على قدرات إبداعية لا سبيل إلى إنكارها.
إن نقطة التحول في حياة حسان عمر، ترمز إلى قضية أكبر في النهاية؛ ذلك أن مطامح البطل ومعضلاته تعكس كفاح العالم الثالث في إفريقيا للتخلص من جلده الاستعماري، وما لحق به طويلا من فقر وحرمان وقمع، والسعي إلى تأسيس هويته الجديدة.
اللغة والحنين
لغة قرنح في الرواية هادئة، متأملة، لكنها مؤلمة في صدقها يكتب عن الشخصيات المهمشة والمنسية، ويمنحها صوتا إنسانيا يتحدث عن الصراع بين الانتماء والحرية.
الخاتمة
"ذاكرة الرحيل" ليست مجرد حكاية عن مغادرة الوطن، بل هي تأمل عميق في معنى الانتماء والاغتراب" كان البحر ممددا هناك، صامتا ولا نهائيا، كأنه هو الآخر سئم من هذا المكان".
من خلالها يؤكد عبد الرزاق قرنح أن الأدب قادر على أن يمنح المهاجر وطنا من الكلمات، وأن الذاكرة مهما ابتعدت تظل خيطا يشد الإنسان إلى جذوره.
مواضيع ذات صلة
في الذكرى الأربعين: ماجد أبو غوش.. الأثر الذي لا يزول
في تأبين الشاعر ماجد أبو غوش...
اتحاد الكتاب والأدباء: معين بسيسو حنجرة غزة التي لا تموت
الهوية الفلسطينية في معرض القاهرة الدولي للكتاب.. حضور يتجدد عبر الكلمة والفن
أساتذة لغة عربية وتاريخ: طه حسين ظُلم في أزمة "الشعر الجاهلي"
حين تصبح الكتابة نجاة.. قراءة في كتاب "ذاكرة العدوان" لبيسان نتيل
"الشاعر في رؤى نفسية" لوحيدة حسين