عاجل

الرئيسية » ثقافة »
تاريخ النشر: 25 تشرين الأول 2025

رواية "الحب والقمامة".. حين يتحوّل الحبّ والقمامة إلى وجهٍ واحدٍ للإنسان

مهيب البرغوثي

"كثيرًا ما يظنّ المرء أن عقله سيغدو خاملاً إن هو لم يستطع النظر إلى العالم والناس من زاوية جديدة"— إيفان كليما

في روايته «الحبّ والقمامة» يقدّم الكاتب التشيكي إيفان كليما تأملًا إنسانيًا عميقًا في معنى الوجود والكرامة والحبّ، داخل عالمٍ يسوده القمع والتهميش.

بطل الرواية أستاذ جامعي يعيش في الولايات المتحدة، لكنه يقرّر العودة إلى بلاده براغ رغم فقرها وانعدام الحرية يقول فيها لزملائه في حفل وداعه:

«حتى لو اضطررت إلى جمع القمامة من الشوارع، فسأظلّ في نظر الناس كما أنا: كاتبًا»

وعند عودته يتحقّق ذلك حرفيًا، إذ يصبح عاملَ نظافةٍ في شوارع المدينة التي أحبّها. ومن هذا الموقع الهامشي، يبدأ في التأمّل في ذاته ومجتمعه، بين الماضي والحاضر، بين الحرية التي حلم بها والقيود التي تحاصره.

 

العمل اليدوي كفعل مقاومة

يحوّل كليما مهنةَ جمع القمامة إلى رمزٍ للفكر الحرّ والمقاومة الصامتة.

فالكاتب الممنوع من النشر يجد في العمل مساحةً للتأمّل والكرامة. وبينما يكنس الشوارع، يكنس أيضًا أوهام الناس وخيباتهم، متأملًا في الحبّ والخيانة، في الفنّ والسياسة، في ما يُرمى ويُنسى من قيمٍ ومعانٍ.

 

الحبّ في زمن القهر

الحبّ في هذه الرواية ليس مجرّد علاقةٍ عاطفية، بل بحثٌ عن الحرية والصدق والنجاة. لكنه يحمل تناقضًا مؤلمًا، إذ يقول الراوي:

«لا أحد يستطيع أن يكون كاتبًا نزيهًا وعاشقًا نزيهًا في آنٍ واحد».

الحبّ هنا تجربةٌ وجودية تُعرّي الإنسان من تزييفه، وتضعه أمام هشاشته ورغبته في المعنى.

 

أسلوبٌ ورؤية

يكتب كليما بلغةٍ تأمّلية تمزج بين الواقعي والفلسفي، بين العمل اليومي الشاقّ والتفكير في قضايا كبرى كالقمع والحرية والهوية.

الرموز تتوزّع بذكاء: القمامة تمثّل ما يُهمَّش ويُنسى، والشوارع مسرحٌ للتاريخ والذاكرة، والعمل اليدوي مرآةٌ للكرامة وسط القهر.

 

رواية المنع والمقاومة

نُشرت الرواية عام 1986 في براغ، ثم مُنعت من التوزيع، وأُدرج كليما ضمن الكتّاب المعارضين للنظام الشيوعي في بلاده.

كانت الرواية بمثابة صوتٍ أدبيٍّ للمقاومة الهادئة، طرحت سؤالًا جوهريًا:"ماذا يعني أن تكون كاتبًا؟ بل ماذا يعني أن تكون إنسانًا في زمن القمع؟".

بعد سقوط النظام، تُرجمت الرواية إلى لغاتٍ عدّة، وحقّقت شهرةً واسعة، لتصبح من العلامات الأدبية التي تمجّد الإنسان في وجه السلطة.

 

الادب رحلة روحية

"ما زلت أؤمن أن ثمة شيئًا مشتركًا بين الأدب والأمل".

ليست «الحبّ والقمامة» روايةً عن كاتبٍ يعمل جامعَ قمامةٍ فحسب، بل هي تأمّلٌ في ما يعنيه أن تبقى إنسانًا وسط ركام العالم.

إنها روايةٌ عن الحرية الداخلية، وعن الإيمان بأن الأدب يمكن أن يُنظّف ما تراكم من قمامةٍ روحية، وأن الكتابة،كما يقول كليما: «تبقى دومًا فعلَ أملٍ».

 

إيفان كليما– سيرة ذاتية

- وُلِد إيفان كليما عام 1931 في براغ، وعاش تجربةً قاسية في معسكرات النازية خلال طفولته، ما شكّل رؤيته العميقة للحياة والحرية.

- درس الأدب في جامعة تشارلز، وعمل صحفيًا ومحررًا أدبيًا قبل أن يُمنع من النشر بسبب مواقفه المعارضة للنظام الشيوعي في تشيكوسلوفاكيا.

- اضطرّ إلى العمل في مهنٍ بسيطةٍ كعامل نظافة، وهي التجربة التي ألهمته كتابة روايته الأشهر «الحبّ والقمامة»، التي تُجسّد صراع المثقّف مع القمع والاغتراب.

- تميّز كليما بلغته التأملية واهتمامه بالكرامة الإنسانية والحرية الأخلاقية، وظلّ يؤمن بأن الأدب فعل مقاومةٍ وأمل.

- تُرجمت أعماله إلى أكثر من ثلاثين لغة، وحصل على جائزة الدولة التشيكية للأدب، ليُعَدّ أحد أبرز الأصوات الأدبية في أوروبا الحديثة.

- وقد تُوفّي يوم 4 أكتوبر 2025 في مدينة براغ بجمهورية التشيك، عن عمرٍ يناهز 94 عامًا.