عاجل

الرئيسية » ثقافة »
تاريخ النشر: 18 تشرين الأول 2025

رواية "الرجل الذي كان يحب الكلاب"... حين يتحوّل الحلم الثوري إلى خيانة كبرى

مهيب البرغوثي

جمعت الرواية بين السرد الأدبي، والحدث التاريخي، والنقد السياسي.

"الرجل الذي كان يحب الكلاب"، رواية للكاتب الكوبي ليوناردو بادورا، من الروايات التي تتجاوز الأدب لتصبح شهادة على قرنٍ من الخيبات الثورية.

تتشابك حياة ليون تروتسكي (الثوري الماركسي المنفي) مع حياة قاتله، حيث تكشف الأحداث أكثر من شخصية مختلفة داخل الرواية، ومن أهمها:

إيفان: طبيب بيطري في هافانا، يلتقي برجل يُدعى ميركادير، وهو الرجل الغامض الذي يكشف لإيفان أسرار حياة تروتسكي.

في عام 2004، عادت ذاكرة إيفان، صاحب العيادة البيطرية البسيطة في هافانا، الذي كان يحلم بأن يصبح كاتبًا، إلى فصل من فصول حياته وقع له عام 1977 حين تعرّف إلى رجل غامض رآه يتنزّه عند شاطئ البحر برفقة كلبين من كلاب الصيد الروسية.

جرت عدة لقاءات بينه وبين ذلك الرجل، الذي كان مطّلعًا على تفاصيل دقيقة عن رامون ميركادير، قاتل تروتسكي، فكشف له أسرارًا فريدة محورها شخصية القاتل.

أعاد إيفان، بفضل تلك الاعترافات، بناء الخطوط التي سارت عليها حياة لييف دافيدوفيتش برونشتاين (تروتسكي)، وحياة رامون ميركادير، الذي عُرف أيضًا باسم جاك مورنار، وكيف تحوّل الاثنان إلى ضحية وجلّاد.

تشابكت حياتهما بدءًا من المنفى الذي فُرض على تروتسكي عام 1929، ورحلته الشاقّة في المنافي، ومن طفولة ميركادير في برشلونة البرجوازية، ومغامراته العاطفية، ومعاناته أثناء الحرب الأهليّة أو بعدها، مرورًا بإقامته في موسكو وباريس، قبل أن يلتقي الاثنان في المكسيك.

تُكمل القصتان إحداهما الأخرى حين يضيف إيفان إلى حياتيهما مجريات حياته الشخصية والفكرية في هافانا المعاصرة، وعلاقته المدمّرة بذلك "الرجل الذي كان يحب الكلاب".

صدرت الرواية عام 2009، وترجمها إلى العربية الكاتب العراقي بسام البزّاز، وصدرت عن دار المدى في ترجمة متقنة جعلت من هذا العمل علامة بارزة في أدب أميركا اللاتينية المعاصر.

استعرض الكاتب من خلالها مأساة الثورة البلشفية، ومصير أحد أهم قادة الجيش الأحمر ليون تروتسكي، محاولًا الإجابة عن سؤال كبير:إلى أين تقودنا الثورة حين تتحوّل إلى أداة قمع؟

 

ثلاث حكايات… وقضية واحدة

تنقسم الرواية إلى ثلاث حكايات:

الحكاية الأولى: تتناول حياة ليون تروتسكي في منفاه بين تركيا، وفرنسا، والنرويج، وأخيرًا في المكسيك، حيث وُجد مقتولًا عام 1940.

الحكاية الثانية: تتبع رامون ميركادير، القاتل المأجور الذي كلّفه ستالين باغتيال تروتسكي، وتُظهر تحوّله من شابٍ مؤمن بالثورة إلى أداة قتل فاقدة للذات.

الحكاية الثالثة: تدور حول إيفان، كاتب كوبي يعيش في ظل الرقابة والخوف، يلتقي ذات يوم بـ"رجلٍ غامضٍ يحب الكلاب"، ويكتشف عبره الحكاية الكاملة لجريمة غيّرت وجه التاريخ.

 

الحب والكلاب والاغتيال

"الرجل الذي يحب الكلاب" ليس مجرد عنوان رمزي، بل هو إشارة إلى التناقض العميق بينالمظهر الخارجي (رجل ودود يحب الحيوانات) والواقع الداخلي (رجل يشارك في اغتيال سياسي دموي(. هذا التناقض هو جوهر الرواية: كيف يمكن للثورات التي نشأت باسم العدالة والحرية أن تنتهي إلى القتل والخيانة؟

 

ماذا تبقّى من الحلم الثوري؟

الرواية ليست فقط عن تروتسكي وستالين، بل أيضًا عن كوبا ما بعد الثورة، عن المثقف المحاصر، والصمت المفروض، والتاريخ المزوّر.ومن خلال شخصية إيفان، يعيد بادورا طرح سؤال شجاع: ماذا تبقّى من الحلم الثوري؟

 

الرواية والتركيب التاريخي للحدث

"الرجل الذي يحب الكلاب" ليست مجرد سردٍ روائي، بل هي رواية فكرية تستند إلى وثائق وأبحاث، وتُعيد تركيب الوقائع التاريخية بدقة، لكنها في الوقت نفسه رواية إنسانية، تُسلّط الضوء على الضحايا والمنفيين والمخدوعين، وتُصوّر كيف أن السياسة، حين تتحوّل إلى عقيدة عمياء، تُدمّر كل ما هو جميل في الإنسان.

 

المرآة السياسية للرواية

رواية "الرجل الذي يحب الكلاب" أكثر من عملٍ أدبي؛ إنها مرآة سياسية وأخلاقية لتجربة إنسانية كبرى فشلت في الوفاء بوعودها.

وربما أهم ما تقوله لنا هذه الرواية هو أن أخطر ما في الثورات ليس فشلها، بل نجاحها في التحوّل إلى نقيض ما وعدت به.