عاجل

الرئيسية » ثقافة »
تاريخ النشر: 18 تشرين الأول 2025

الفنان الفلسطيني سليمان منصور في لقاء مع الحياة الثقافية: جائزة النيل المصرية: شرف كبير لي وأعتبرها جائزة للشعب الفلسطيني

أحلم برسم لوحة "فلسطين المحررة

لم يتغير شيء على أرض الواقع الفلسطيني فالاحتلال لا يزال قائمًا وتزداد جرائمه يومًا بعد يوم

أجرى الحوار: محمود بركة

عالمية الفنان الفلسطيني سليمان منصور ترسخت في وجدان الجماهير العربية والفلسطينية، واحتلت مكانة هامة وكبيرة ضمن الإرث الفني للتاريخ والحاضر، من حيث التعبير البصري والسردية الفلسطينية. ارتبط ظهوره ببدايات السبعينات من خلال أعماله الأولى التي حملت المكوّن الفلسطيني، في ترسيخ واضح للحياة والمدن والقرى الفلسطينية، وحملت رحلة الفلسطيني في البلاد ويومياته المرتبطة بالأرض وذاكرة المكان والزمان.

وُلد سليمان منصور عام 1947 في بيرزيت، قبل عام من النكبة الفلسطينية الأولى. وعاش في فلسطين ولايزال من الأرض يرسم ويشكل بلوحاته ما يحمله الفن البصري والرمزية الفلسطينية والزمن الفلسطيني, أعطى لمسيرته الفنية والتشكيلية مسارًا يحمل الرواية والسردية الفلسطينية. يُعد من رواد ومؤسسي الحركة الفنية التشكيلية في فلسطين، لما أنجزه بأسلوبه التشكيلي الخاص الحامل للمعنى والهوية الفلسطينية في الأراضي المحتلة ما مرّ على الزمن العربي والفلسطيني..

 الحوار مع الفنان سليمان منصور بعد حصوله على "جائزة النيل" في مصر للمبدعين العرب، وهي من أرفع جوائز الدولة المصرية التي تُمنح للمبدعين العرب تقديرًا لأعمالهم في إثراء المسيرة الثقافية العربية.

- عن البدايات الأولى لرحلة الفنان سليمان منصور، وخصوصًا مع لوحة "جمل المحامل" وما سبقها، كيف تسرد هذه السطور ضمن رحلة الفن التشكيلي في فلسطين؟

أغلبية أبناء جيلي تربّينا وكبرنا في ظل النظام الأردني، وكنا في ذلك الوقت نعتقد أننا أردنيون، ولم تكن الهوية الفلسطينية قد تبلورت بعد. لكن بعد مرور أربع سنوات على النكسة عام 1967، بدأنا نتحسس هويتنا الفلسطينية. وحتى عام 1973، بدأت مشاعر الانتماء لفلسطين تتبلور. وهذا باختصار قصتي مع الفن؛ ففي العام 1973 تبلور انتمائي لفلسطين، حيث بدأت في ذلك الوقت إنجاز لوحة "جمل المحامل"، اللوحة الشهيرة والمعروفة. ومنذ ذلك الوقت، وعلى مدار نصف قرن، لم يتغير انتمائي، بل ازداد كلما تعقّدت القضية، وكلما ازداد توحّش الاحتلال. إن العيش في ظل الاحتلال مليء بالصدف والتناقضات التي تُشكّل أرضًا خصبة لاكتشاف الأفكار.

- جائزة النيل للمبدعين العرب من أرفع الجوائز المصرية، كيف تنظر لهذا التكريم؟ وما هي رسالتك من فلسطين إلى القاهرة؟

جائزة النيل شرف كبير لي، وأعتبرها جائزة للشعب الفلسطيني، لا لي فقط شخصيًا. إن عملي يعكس فلسطين وأنهارها، وتراثها، والحياة المعاصرة داخلها. ولذا، فإن هذه الجائزة هي شهادة تقدير ومحبة لفلسطين، وكم نحن في حاجة لهذه المشاعر في هذه المرحلة، من أشقائنا العرب أولًا، ومن العالم أجمع.

- ما رسالتك للفن الفلسطيني الصاعد اليوم في ظل ما تعيشه فلسطين من أحداث صعبة؟

لا أحب أن أمارس دور المُنظّر، فالفن حرية قبل كل شيء. كنت دائمًا أوجّه نصيحتي لطلابي بالانتماء الوجداني لفلسطين وحضارتها، وأن يتناولوا قضايا الناس البسطاء. وأُذكّرهم بأن نجيب محفوظ لم يحصل على جائزة نوبل للأدب لأنه كتب عن الإنسان في نيويورك أو برلين، بل لأنه كتب عن الإنسان المصري وحياته في القاهرة وأحيائها وشوارعها ومدنها. العالمية تبدأ من المحلية، وهذا يتطلّب دراسة ثقافة شعبك، من شعرائه إلى أمثاله وأزيائه الشعبية وأدوات حياته، لأنها أدوات يمكن أن تُثري عملك وبحثك الفني. كما أنصح طلابي باستخدام أدوات وأفكار عصرهم، مثل الكاميرا والفيديو وفن الصور المتحركة، وغيرها، فكلها أدوات يمكن أن تُفيد الفنان في بحثه الفني والثقافي. لا يجب أن يسجنوا أنفسهم بأسلوب واحد، بل عليهم أن يأخذوا من كل مدرسة ما يخدم الفكرة التي يُعبّرون عنها.

- "سأحمل روحي على راحتي"... لوحة تجسد كلمات الشاعر الفلسطيني عبد الرحيم محمود. وقد استخدمت في لوحاتك العديد من العبارات الشعرية. كيف ترى علاقة الفن بالكلمة والأدب في فلسطين؟

أساليب الإبداع في فلسطين تُعالج في معظم الأحيان نفس الهموم والأهداف. فمثلًا: موضوع الهوية، نجده في قصيدة "سجّل أنا عربي" لمحمود درويش، وفي موضوع المقاومة لدى عبد الرحيم محمود، وإبراهيم طوقان. وكذلك نجد هذا في لوحات الفنان إسماعيل شموط، وتمّام الأكحل، وإبراهيم غنام، وغيرهم من الفنانين الذين عملوا في الخمسينات والستينات. فمثلًا: الحنين إلى الوطن السليب، أبدع فيه العديد من الشعراء، مثل أحمد دحبور وغيرهم. المهم أن وحدة الهم هي التي دفعت الأدباء والفنانين للإبداع، من الهجرة إلى الحنين إلى الثورة والانتماء للعالم العربي، وصولًا إلى الميل لاستعمال الخط العربي والأشعار العربية.

- رافقت أعمالك النضال الفلسطيني، كجدار يمتد من النهر إلى الحدود. كيف تنقل صوت فلسطين من خلال الفن؟

إيصال صوت فلسطين من خلال الفن يتخلله الكثير من المخاطر والعواقب، لأن التهم دائمًا جاهزة، مثل "معاداة السامية" و"نشر الكراهية". أحاول الابتعاد عن العنف والانتقام والكراهية، وأركّز على ردود فعل الضحية، مثل الحزن والغضب والخوف، وأُبرز مظاهر الكبرياء والاعتزاز بالذات، والأمل في مستقبل أفضل. كما أحثّ الناس، خصوصًا الجيل الشاب المولود في المهجر، على حب بلدهم والتمسك بها، من خلال إظهار جمال المشهد الطبيعي الفلسطيني، والقرية وعمارتها، والريف الفلسطيني. هذه المواضيع، برأيي، تعزز التمسّك بالأرض والعودة إليها، وهي من أهم أشكال المقاومة. وبالإضافة لتأثيرها على أبناء الشعب الفلسطيني، فإنها تجذب المشاهد الأجنبي لما لفلسطين من أهمية تاريخية ودينية للعالم.

- تحمل لوحاتك عناوين من البيئة الفلسطينية مثل: "قطاف الزيتون"، و"وردية برية". كيف توظّف الرمزية والسريالية في الفن المقاوم؟

كل مناسبة أو نبتة في البلاد كانت ولا تزال وسيلة لتذكّر فلسطين. فالمناسبات المختلفة كانت فرصة للاحتفاء بها، مثل: يوم الأرض، ويوم الأسير، ويوم الطفل، ويوم الشهيد، والمواسم المختلفة. وكذلك الأشجار والنباتات أصبحت رموزًا للوطن، وكل ما صنعته الفلاحة والفلاح دليل على ارتباط الفلسطيني بأرضه. كما أن المرأة الفلسطينية أصبحت رمزًا للوطن في كثير من الأوقات، ولكن بشروط، منها: طول العنق رمزًا للشموخ، وكبر اليدين رمزًا للارتباط بالأرض، وارتداء الزي الشعبي الفلسطيني كرمز للهوية. واللوحة التي أحلم برسمها: لوحة فلسطين المحررة

- من النكبة إلى غزة، ماذا يقول سليمان منصور من أجل رسم الحقيقة؟

للأسف، لم يتغير شيء على أرض الواقع الفلسطيني، فالاحتلال لا يزال قائمًا، وتزداد جرائمه يومًا بعد يوم. ولذلك، فإن الواقع الفلسطيني ظلّ على حاله منذ نكبة 1948، مرورًا بالانتفاضة الأولى، وصولًا إلى الحرب على غزة.