مقهى زهرة البستان.. القاهرة كما لا تراها في النهار
مهيب البرغوثي

حين يهبط الليل على القاهرة، تستيقظ وتبدأ الحياة قليلة ما تفعل مثلها العواصم الأخرى، بل ترتدي ثوبا آخر من الحياة والضجيج المريح، وتتراقص أحياؤها الشعبية بروح لا تخبو.
في قلب هذا المشهد، تقف المقاهي الشعبية شاهدة على حياة لا تنقطع، ومسرحا يوميا لتفاصيل الناس وهمومهم وأحلامهم الصغيرة.
مقهى بحجم الروح
في هذا المقهى، "مقهى زهرة البستان"، يلتقي الكثير من الأدباء على طاولة النرد؛ فتجد الشاعر والكاتب المسرحي إبراهيم عبد الفتاح مع الشاعر والصحفي إبراهيم داوود، وعلى طاولة أخرى يجلس المترجم والروائي أحمد صلاح الدين يناقش طلابا ومثقفين حول الأدب، بينما يكتب الشاعر ياسر الزيات نصوصه في زاوية أخرى. وهناك الفنان العالمي جورج بهجوري يحمل أدوات الرسم ويجلس ليرسم الوجوه المتعبة. وما زالت زاوية الروائي مكاوي سعيد تفتقده رغم مرور سنوات على رحيله.
المقاهي تسكن الليل
فهي ليست مجرد كراس وطاولات مهترئة، بل امتداد لروح القاهرة، ونفسها الشعبي الذي عاشه كل من دخلها وزار "زهرة البستان"؛ مقهى ليس أكثر من ممر، لكنه يعد ملتقى لمعظم كتاب وفناني القاهرة، كما يحبه الكثير من الأجانب.
تدخل إليه، فتستقبلك رائحة الشاي الثقيل، ودخان المعسل المتصاعد في دوائر كسولة، وصوت الأغاني القديمة من مذياع عتيق يهمس بأغنية عن الشوق والحنين.
يجلس عم سيد في الزاوية ذاتها منذ عشرين عاما، لا يغير مكانه ولا عاداته.
كوب الشاي أمامه، والصحيفة القديمة في يده، يقرأ أخبار الأمس وكأنها لا تزال تحدث.
إلى جواره، يجلس شاب يراجع دروسه، وعامل أنهى لتوه نوبة طويلة في مصنعه، وعجوز يحكي حكايات من زمن فات.
كل له حكاية، وكل حكاية تجد مستمعا في هذا المكان المفتوح على الناس والليل.
تتفجر النكات من طاولة أخرى، وتتصاعد الحماسة من جلسات "الطاولة"، بينما يمضي النادل الصغير بخفة بين الطاولات، يحمل طلبات الشاي والقهوة، حافظا للوجوه والأسماء، وأحيانا للديون المؤجلة.
ما يميز هذه المقاهي أنها لا تفرق بين غني وفقير، ولا بين طالب وعامل، ولا بين رجل وامرأة.
جدرانها مشبعة بصور الشعراء والفنانين؛ في زاوية صورة الشاعر أمل دنقل، وفي الزاوية المقابلة أم كلثوم، وتتربع في أقصى المقهى صورة نجيب محفوظ، وإلى جوارها صورة الشاعر الراحل أحمد فؤاد نجم.
سقفها المفتوح يحتضن سماء القاهرة بعفوية، ويجتمع الناس فيها لأنهم يعرفون أنهم سينتمون، ولو لساعات، إلى مكان لا يدينهم ولا يحاسبهم، بل يحتضنهم كما هم.
وفي ليالي الموالد الدينية، تتحول هذه المقاهي إلى أعراس شعبية: زينة من ورق ملون، أنوار تتراقص على الواجهات، وصوت القرآن يسبق أذان المغرب بدقائق، ثم رقص صوفي قد يطول أو يقصر.
ثم تعود الجلسات، ويعلو صوت النقاش: عن السياسة أحيانا، وعن الكرة كثيرا، وعن الحياة دائما.
المقاهي الشعبية في ليل القاهرة ليست مجرد أماكن للجلوس، بل مرآة لوجدان المدينة، تحفظ ذاكرتها وتحرس حلمها.
مواضيع ذات صلة
في الذكرى الأربعين: ماجد أبو غوش.. الأثر الذي لا يزول
في تأبين الشاعر ماجد أبو غوش...
اتحاد الكتاب والأدباء: معين بسيسو حنجرة غزة التي لا تموت
الهوية الفلسطينية في معرض القاهرة الدولي للكتاب.. حضور يتجدد عبر الكلمة والفن
أساتذة لغة عربية وتاريخ: طه حسين ظُلم في أزمة "الشعر الجاهلي"
حين تصبح الكتابة نجاة.. قراءة في كتاب "ذاكرة العدوان" لبيسان نتيل
"الشاعر في رؤى نفسية" لوحيدة حسين