عاجل

الرئيسية » ثقافة »
تاريخ النشر: 04 تشرين الأول 2025

إدوارد سعيد.. المثقف المختلف وتجذير الهوية الفلسطينية

مهيب البرغوثي

مرت قبل أيام ذكرى رحيل المفكر الفلسطيني إدوارد سعيد، أحد أبرز المثقفين الذين نقلوا القضية الفلسطينية من هامش الإعلام الغربي إلى صلب النقاش الفكري العالمي. يعود اسمه في كل لحظة قاسية تمر بها القضية الفلسطينية، خاصة اليوم، وهم يواجهون أقسى أشكال القتل والتهجير على يد الاحتلال الإسرائيلي، الذي لا يكتفي باستهداف الأجساد، بل يطارد الذاكرة والهوية.

في زمن أصبح فيه الصمت نوعا من التواطؤ، قدم إدوارد سعيد نموذجا نادرا لـ"المثقف المختلف"- المثقف الذي لا يقف على الحياد، بل يتقدم الصفوف حاملا قلمه كأداة مقاومة، وصوته كمرآة تعكس الحقيقة المغيبة.

 

المثقف كقوة أخلاقية

في كتابه الشهير "تمثيلات المثقف"، قدم سعيد تعريفا للمثقف بوصفه ضميرا حرا، مستقلا، لا يخضع للسلطة ولا للمؤسسات، بل يقول "لا" حيث يعتاد الآخرون الصمت.

لم يكن سعيد مثقفا في المنفى فقط، بل فلسطينيا من داخل فلسطين المتخيلة، حيث شكل المنفى منصته لفضح روايات الاحتلال وفضح التواطؤ الغربي معه. كانت قضيته تتجاوز الحدود: عدالة إنسانية شاملة، وليست مجرد دفاع عن وطن مسلوب.

 

الاستشراق كعودة

"إن المستشرق يحمل مفتاح تأكيد الغرب لذاته وسيطرته على الشرق الغريب والغامض".

لا شك أن كتاب سعيد الأكثر تأثيرا هو كتاب "الاستشراق" الذي نشر لأول مرة عام 1978، حيث أوضح فيه كيف أن الغربيين "المستشرقين"، ومنذ غزو نابليون لمصر عام 1978، أسسوا وجهات نظرهم حول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وآسيا أو "المشرق" على مبدأ أنهم أدنى منهم وضعفاء وهمجيون.

وفقا لسعيد، فإن هذه الأفكار تخلق نظرة عالمية نمطية عنصرية في بعض الأحيان، وتستخدم بعد ذلك لتبرير الإمبريالية والاستعمار، حيث يعتبر كتابه أحد النصوص التأسيسية في دراسة ما بعد الاستعمار، وإعادة رواية التنوير الأوروبي من خلال عدسة جديدة.

لا يزال كتاب "الاستشراق" حاضرا في عدد من المناهج الدراسية في جميع أنحاء العالم، وقد دفع الكتاب بسعيد ليصبح أحد المفكرين الرائدين في جيله، خاصة مع ترجمته إلى 35 لغة على الأقل، ووصفه بأنه "مناهض للغرب

 

الهوية كأداة مقاومة

في أعماله الكبرى مثل "خارج المكان" و"مسألة فلسطين"، لم يتناول سعيد الهوية الفلسطينية بوصفها تعريفا إداريا أو قوميا، بل كحالة مقاومة دائمة ضد المحو.

رأى أن الحفاظ على الذاكرة والرواية، هو بذاته فعل تحرري، يواجه سياسات التزييف التي تهدف إلى طمس الحقيقة الفلسطينية.

لقد أعاد تشكيل صورة الفلسطيني، من الضحية الصامتة إلى الإنسان الحقيقي، المثقف، والمناضل من أجل وجوده، وتاريخه، ومستقبله.

 

العودة إلى سعيد في زمن المجازر

في هذه المرحلة من التاريخ الفلسطيني، حيث تتصاعد المجازر وتغيب العدالة، نعود إلى كلمات سعيد لنجد فيها صوتا أخلاقيا حادا لم يساوم، ولم يبرر، ولم يخضع لمعادلات القوة.

لقد كان من أوائل من كشفوا زيف الرواية الصهيونية في الغرب، وفضحوا الإعلام الذي يصور المحتل كضحية.

كان واعيا بأن معركة فلسطين ليست فقط على الأرض، بل أيضا على الرواية، واللغة، والجغرافيا - معركة على من يملك حق تعريف الحقيقة.

 

سعيد.. الغائب الحاضر

لا نكتب عن إدوارد سعيد اليوم باعتباره ماضيا، بل باعتباره صوتا حاضرا في كل مقاومة، في كل من يكتب من أجل الحرية، وفي كل وجه فلسطيني يواجه العالم ولا يخضع.

في زمن ترتكب فيه المجازر على مرأى العالم، تتعاظم الحاجة إلى مثقفين لا يخشون المواجهة، ولا يهادنون الظلم، بل يكتبون بفعل الإيمان العميق بأن العدالة لا تموت،

إدوارد سعيد، رغم كونه "خارج المكان"، ظل في قلب فلسطين، وفي قلب كل من يحمل راية الحرية.

وستبقى كلماته حية، تذكرنا أن الحكاية لم تنته وأن فلسطين ليست فقط أرضا، بل رواية يجب أن تروى حتى النصر وتحقيق ما يطمح به الشعب الذي عانى منذ قرن من الزمن الكثير من العذاب والتهجير.