غزة مسرح الحياة المؤجلة.. حين يصبح الموت أثقل من الحياة
مهيب البرغوثي

غزة، هذه البقعة الصغيرة على خريطة العالم، الكبيرة في جراحها، المثقلة بتاريخ من الصراع والمعاناة، تقف اليوم عند مفترق طرق يتقاطع فيه الألم مع الفقد، والموت مع الحياة، والهجرة مع الصمود. أصبح العيش في غزة ليس خيارا، بل صراع يومي ضد احتمالات الموت التي تتكاثر بلا إنذار، وتتنقل بخفة بين المنازل، والمستشفيات، والمدارس، وحتى المساجد.
لم يعد الحديث عن الحصار أو الحرب كافيا لتوصيف الواقع. ما يحدث الآن يتجاوز حدود الفهم؛ فقد أصبح الموت أثقل كلفة من الحياة، ليس فقط لأنه يحرم الإنسان من حقه في البقاء، بل لأنه يأتي محملا بثقل الخسارات المتكررة: من يُقتل اليوم يترك خلفه عائلة مدمرة، وذكريات مبتورة، وأحلاما لم تكتمل.
أما الحياة في غزة، فهي بدورها ليست حياة طبيعية؛ بل مقاومة يومية لليأس. هناك من يهرب منها بأي طريقة، ومن يبقى فيها مُجبرا، لا بطلا. تبادلية الهجرة بين الداخل والخارج تعكس عمق المأساة؛ البعض يفر بحثا عن الأمان أو فرصة عمل، وآخرون يعودون إليها رغم المخاطر، إما بدافع الانتماء، أو لأنهم لم يجدوا خارجها إلا أشكالا أخر من القهر.
على الطرقات الترابية، وبين أنقاض الأبنية، تسير عربات الموت والحياة معا. سيارات الإسعاف تعبر الشوارع بصوتها الحاد، في وقت لا يزال الباعة الجائلون ينادون على الخبز والطماطم. ثنائية متضاربة، لكنها باتت مألوفة. حتى الأطفال اعتادوا أن يجيبوا على أصوات القصف بضحكاتٍ باهتة، أو بحكايات اخترعوها ليفسروا ما لا يُفسر.
الموت في غزة ليس خبرا عابرا، بل حدث يومي متكرر، يخطف أرواح الشباب، والنساء، والأطفال بلا تمييز. وفي ظل انسداد الأفق السياسي، وتواطؤ الصمت الدولي، وتعقيدات الواقع الفلسطيني، يصبح السؤال: هل ما زال للعيش في غزة معنى؟ وهل ما زال هناك أمل يُراهن عليه؟
الإجابة ليست سهلة. ولكن، رغم كل شيء، هناك من يتمسك بالأمل كشكل من أشكال المقاومة. من يبني، ويُدرس، ويُغني، ويكتب. غزة ليست مجرد مسرح للدمار، بل فضاء لإنسانٍ عنيد يرفض أن يُمحى، حتى لو انكسرت كل أدواته.
ستبقى غزة درسا في الكرامة، وجرحا مفتوحا في ضمير الإنسانية. وفي زمنٍ أصبح فيه الموت أثقل من الحياة، تظل غزة تُقاتل لتبقى، وإن بصوتٍ مبحوح، وقلبٍ مثقل.
مواضيع ذات صلة
في الذكرى الأربعين: ماجد أبو غوش.. الأثر الذي لا يزول
في تأبين الشاعر ماجد أبو غوش...
اتحاد الكتاب والأدباء: معين بسيسو حنجرة غزة التي لا تموت
الهوية الفلسطينية في معرض القاهرة الدولي للكتاب.. حضور يتجدد عبر الكلمة والفن
أساتذة لغة عربية وتاريخ: طه حسين ظُلم في أزمة "الشعر الجاهلي"
حين تصبح الكتابة نجاة.. قراءة في كتاب "ذاكرة العدوان" لبيسان نتيل
"الشاعر في رؤى نفسية" لوحيدة حسين