المنفى في تجربة جبرا إبراهيم جبرا
مهيب البرغوثي

يعد جبرا إبراهيم جبرا من أبرز الكتاب الفلسطينيين الذين عايشوا تجربة المنفى بكل أبعادها، فجعل منها محورا مركزيا في أدبه وحياته الفكرية. ولد في بيت لحم عام 1919، لكنه عاش مراحل طويلة من حياته في العراق بعد النكبة، وهناك بدأ يتبلور وعيه بالمنفى لا بوصفه مجرد اغتراب جغرافي، بل كحالة وجودية ونفسية وثقافية عميقة.
المنفى كجرح شخصي وجمعي
في كتاباته، يعبر جبرا عن المنفى كجرح مفتوح لا يخصه وحده، بل يعكس معاناة شعب بأكمله. ففقدان الأرض والوطن ليس فقط فقدانا للمكان، بل هو اقتلاع للهوية والذاكرة واللغة. وفي روايته “البحث عن وليد مسعود”، تتجلى هذه الثيمة بوضوح، إذ يتقاطع مصير البطل مع قدر المنفى الفلسطيني، فيصبح الاغتراب وسيلة للكشف عن الذات المنكسرة والسعي لاستعادة الكينونة.
المنفى والإبداع
رغم الألم، لم يكن المنفى عند جبرا فقط مصدرا للحزن، كان أيضا محفزا للإبداع. فقد وجد في الكتابة وسيلة للمقاومة والتشبث بالهوية، وجعل من المنفى فضاء يعيد فيه تشكيل ذاته الثقافية. هذا ما نلمسه في أعماله التي تجمع بين الرواية والشعر والنقد، حيث يدمج جبرا بين الإرث العربي العريق والتجارب الحداثية التي اطلع عليها خلال دراسته في إنجلترا وأمريكا.
والهوية الثقافية والمنفى
من القضايا التي تتكرر في أدب جبرا هي أزمة الهوية التي يفرضها المنفى. فالكاتب يعيش بين ثقافتين: ثقافة الوطن الغائب، وثقافة البلد المضيف. وفي هذا التوتر يولد صراع داخلي، لكنه في الوقت نفسه ينتج رؤية أعمق وأكثر اتساعا للعالم. وقد ساعدت ثقافة جبرا الموسوعية على تحويل هذه الازدواجية إلى مصدر غنى، لا ضعف.
المنفى والحنين
الحنين في أدب جبرا ليس مجرد شعور عاطفي، بل هو موقف فلسفي من العالم. إنه حنين إلى زمن بريء، إلى بيت لحم، إلى الطفولة، إلى اللغة الأولى. هذا الحنين لا يفضي إلى الاستسلام، بل يدفع إلى البحث، كما في عنوان روايته الشهيرة: “البحث عن وليد مسعود”، حيث يكون “البحث” فعلا وجوديا مستمرا، يحمل دلالة رمزية على بحث الفلسطيني عن وطنه المفقود.
يعكس جبرا في سيرته الذاتية، وخاصة في روايتي "البئر الأولى" و"شارع الأميرات"، تجربته الشخصية بعد نكبة فلسطين والهجرة إلى العراق، مما يعطي صورة واقعية لمعنى المنفى.
خاتمة
في تجربة جبرا إبراهيم جبرا، يتحول المنفى من حالة قسرية إلى مشروع أدبي وفكري كبير. فهو لا يكتفي بتأريخ المعاناة الفلسطينية، بل يمنح المنفى أبعادا إنسانية وكونية، تجعل من قضيته جزءا من الوجدان الإنساني العام. وهكذا، يصبح جبرا صوتا لا يمثل فلسطينيي الشتات فقط، بل كل من اقتلع من أرضه وذاكرته.
مواضيع ذات صلة
في الذكرى الأربعين: ماجد أبو غوش.. الأثر الذي لا يزول
في تأبين الشاعر ماجد أبو غوش...
اتحاد الكتاب والأدباء: معين بسيسو حنجرة غزة التي لا تموت
الهوية الفلسطينية في معرض القاهرة الدولي للكتاب.. حضور يتجدد عبر الكلمة والفن
أساتذة لغة عربية وتاريخ: طه حسين ظُلم في أزمة "الشعر الجاهلي"
حين تصبح الكتابة نجاة.. قراءة في كتاب "ذاكرة العدوان" لبيسان نتيل
"الشاعر في رؤى نفسية" لوحيدة حسين