في الذكرى الحادية عشرة لرحيل سميح القاسم.. شاعر الغضب الجميل
مهيب البرغوثي

القصيدة التي نامت على كتف الوطن
قبل أيام، مرّت إحدى عشرة سنة على ترجّل فارس الكلمة، ورحيل صوت فلسطين الغاضب، سميح القاسم، بعدما نحت اسمه في صخر الذاكرة الوطنية، وترك إرثًا شعريًا لا يزال يضيء دروب الحالمين بالحرية.
رحل الجسد، لكن القصيدة ما زالت تقاتل، وما زال الصوت يتردد في المدى، يقول: "تقدّموا... تقدّموا"، كأنّ حضوره لم يكن يومًا عابرًا، بل جرحًا مفتوحًا في وجه الاحتلال، وقنديلًا في ليل المقهورين.
سميح القاسم، ابن الجليل، ابن الأرض التي رفضت الانكسار، عاش محاصرًا بالأسلاك، لكنه لم يخضع.
قاوم بالكلمة حين كان الرصاص سيد الموقف، وبالحبر حين جفّت ينابيع الأمل.
كان شاعرًا لا يكتب بالحبر، بالدم، للتراب، للإنسان.
رفع راية الشعر المقاوم، لا كمنبر للمزايدة، بل كخندقٍ حقيقي يقاتل فيه من أجل الكرامة والعدالة والهوية.
في حضرة ذكراه، نقف لا لنرثيه، بل لنحتفي بالحياة التي بثّها في أرواحنا، وبالنبض الذي غرسه في القصيدة
نستعيد صوته الجهوري، وهو يخاطب الوطن كأمٍّ جريحة، وكطفلٍ يتيم، وكشجرة زيتون في وجه الجرافة
كان يعرف أن الشعر لا يُطعم الجياع، لكنه كان يؤمن أنه يمنحهم الكرامة، وأنه السلاح الأخير حين تُكسَر البنادق
سميح لم يكن شاعرًا فقط، بل كان موقفًا، وضميرًا، وقامة عالية في زمن الانحناء
عاش في وطنٍ سليب، لكن روحه كانت أوسع من كلّ الجدران، ترى ما وراء القهر، وتُبصر فجرًا لم يُولد بعد
رفض أن يكون مجرد "عربي في إسرائيل"، فكان فلسطينيًا في كل خليةٍ من روحه، وكتب ما يعجز السياسيون عن قوله، وما يخاف البعض حتى من التفكير فيه
أحد عشر عامًا مرّت، وفلسطين ما زالت تُقاوم، والقصيدة ما زالت سلاحًا
جيلٌ جديد يقرأ شعره اليوم كما لو كُتب البارحة، لأن وجعه ما زال هو الوجع، ولأن الحلم ذاته ما زال يُلاحقنا من سطرٍ إلى آخر
سلامٌ عليك يا سميح القاسم في ذكراك،
وسلامٌ على القصيدة التي لم تَمُت،
على الكلمة التي ما زالت تقاتل،
على الشعر حين يكون وطنًا،
وعلى الأوطان حين تنجب شعراء مثلك..
مواضيع ذات صلة
في الذكرى الأربعين: ماجد أبو غوش.. الأثر الذي لا يزول
في تأبين الشاعر ماجد أبو غوش...
اتحاد الكتاب والأدباء: معين بسيسو حنجرة غزة التي لا تموت
الهوية الفلسطينية في معرض القاهرة الدولي للكتاب.. حضور يتجدد عبر الكلمة والفن
أساتذة لغة عربية وتاريخ: طه حسين ظُلم في أزمة "الشعر الجاهلي"
حين تصبح الكتابة نجاة.. قراءة في كتاب "ذاكرة العدوان" لبيسان نتيل
"الشاعر في رؤى نفسية" لوحيدة حسين