الموسيقى تمشي في الظلام
مهيب البرغوثي

تعد رواية "الموسيقي الأعمى" من أبرز الأعمال الأدبية في أواخر القرن التاسع عشر، في الادب الروسي،كتبها الصحفي والروائي فلاديمير كورولينكو عام 1886. تدور الرواية حول صبي أعمى يُدعى بيوتر، يواجه معاناة مزدوجة: العمى الجسدي من جهة، والاغتراب الداخلي عن الحياة من جهة أخرى. لكن هذه الرواية تتجاوز الحكاية الفردية لتغدو تأملاً عميقًا في معنى الألم، ودور الفن، وسبل التغلب على الظلام الخارجي والداخلي.
رواية الفن والزلة
رواية "الموسيقي الأعمى" نصًا استثنائيًا يتقاطع فيه الصوت والظلمة، الفن والعزلة، الرؤية الحسية والبصيرة الروحية. الرواية، التي يمكن إدراجها ضمن الأدب الوجودي والرمزي، تطرح إشكالات متعددة تتعلق بالهوية، والذاكرة، والعجز، والمعنى، وتمنح شخصية الأعمى بعدًا معرفيًا لا يقل أهمية عن فقدان البصر الجسدي، ومساءلة العلاقة بين الفن والعتمة، بين الصوت والعالم الخارجي.
تتبنى الرواية تقنية سردية تعتمد على الراوي المحدود بالبطل، ما يجعلنا نرى العالم عبر "العمى". المفارقة هنا أن القارئ يبصر العالم من خلال أعمى، ما يطرح تساؤلات عن جدوى البصر نفسه. الأصوات الداخلية، تتناوب الحكي بين الزمانين النفسي والواقعي، يمنح النص تكثيفًا سرديًا يتجاوز الخط التقليدي "وقد تذكرنا رواية كورولينكو برواية الروائي البرتغالي جوزيه ساراماجو "العمى" تتحدث الرواية عن وباء غامض يصيب إحدى المدن، حيث يصاب أهل هذه المدينة بالعمى فجأة، مما يخلق موجة من الذعر والفوضى العارمة. يبدأ الناس في الاقتتال فيما بينهم. وتلقي القصة الضوء أيضاً على الجانب الإنساني المتمثل في الطبيب وزوجته وعائلته الذين بقوا متماسكين حتى اندثار المرض فجأة كما ظهر. تتحدث الرواية عن العمى الفكري حيث قالت زوجة الطبيب في نهاية الرواية «لا أعتقد أننا عمينا بل أعتقد أننا عميان يرون، بشر عميان يستطيعون أن يروا لكنهم لا يرون» في إشارة أيضاً أن الأخلاق البشرية والمبادئ الإنسانية هشة أمام العوز البشري.
تبدأ رواية الموسيقي الاعمى في جو ريفي روسي، يولد الطفل "بيوتر" أعمى، ويعيش تحت رعاية أمه وجدته، بينما يحاول والده إبعاده عن الشفقة وتنشئته ليكون قويًا. لكن العمى لا يخلق فقط حاجزًا بصريًا بين الطفل والعالم، بل يزرع في نفسه عزلة وجودية. هنا تبدأ الرواية في بناء متأنٍ وعاطفي لمراحل تطور بيتر النفسي والفكري، بينما يعيش مشاعر الحيرة، الغضب، والرفض للواقع.
بفضل الموسيقى، يجد بيتر مخرجًا من ظلمته. في لحظة فارقة، يتحول إلى آلة حساسة تلتقط ارتعاشات العالم من حوله، ويكتشف أن الفن – وتحديدًا الموسيقى – هو النور البديل الذي يستطيع أن يرى من خلاله. لا يُشفى من عماه الحسي، لكنه يُشفى من عمى روحه، ويكتشف المعنى وسط الظلمة.
هنا يبرز العبد الانساني الحقيقي للعماء حيث تكمن قوة الرواية في كونها ليست مجرد قصة نجاح لفاقد للبصر، بل في كونها تصور رحلة وجودية نحو النور الداخلي. إنها دعوة للتفكر في معنى الإدراك، وفي العلاقة بين الألم والإبداع، وبين الظلام والنور الداخلي. كورولينكو، المعروف بمواقفه التقدمية وإنسانيته، يجعل من الرواية مرآة لرحمة الإنسان وتفوقه على ظروفه القاسية.
ما هو العمى الحقيقي؟ هل هو فقدان البصر، أم فقدان القدرة على الإحساس بالجمال، أو فقدان الإرادة للعيش؟ بيتر لا يصبح فقط موسيقيًا، بل رمزًا للقدرة البشرية على تحويل الألم إلى فن، والظلمة إلى نغمة
كتب كورولينكو الرواية بأسلوب شفاف، يمزج بين الوصف الدقيق للحالات النفسية، والتأملات الفلسفية، دون أن يثقل القارئ. كما تميزت الرواية بحوارات عميقة، ولغة موسيقية متناغمة مع موضوعها. وقد استطاع عبر سرد غير متكلف أن يعبر عن أحاسيس العمى والتوق إلى الحياة بلغة حية ومؤثرة
"الموسيقي الأعمى" ليست فقط قصة ملهمة عن طفل هزم قدره، بل هي مرآة لإنسانية جريحة تبحث عن النور في أقصى درجات الظلمة. وفي عالمٍ يضج بالصخب والخراب، تبقى هذه الرواية تذكيرًا ناعمًا بأن الفن وحده، ربما، قادر على أن يعيد تشكيل علاقتنا بالحياة والمعاناة، وأن الروح، إذا ما أمسكت بنغمتها الخاصة، قادرة على الإبصار بعمقٍ لا تصل إليه العيون.
مواضيع ذات صلة
في الذكرى الأربعين: ماجد أبو غوش.. الأثر الذي لا يزول
في تأبين الشاعر ماجد أبو غوش...
اتحاد الكتاب والأدباء: معين بسيسو حنجرة غزة التي لا تموت
الهوية الفلسطينية في معرض القاهرة الدولي للكتاب.. حضور يتجدد عبر الكلمة والفن
أساتذة لغة عربية وتاريخ: طه حسين ظُلم في أزمة "الشعر الجاهلي"
حين تصبح الكتابة نجاة.. قراءة في كتاب "ذاكرة العدوان" لبيسان نتيل
"الشاعر في رؤى نفسية" لوحيدة حسين