زياد الرحباني... سيرةٌ خطّتها الأغاني والمسرحيات
ميار مهنا

مضى عامان إلا 74 يوماً على حرب الإبادة في قطاع غزة، استُشهد من الأرواح ما لا تحتمله لغة الأرقام، واشتد الجوع حتى شحبَت وجوه الملايين وخوت أمعاؤهم. في لبنان، مضى عام إلا شهرين على الحرب الأخيرة: اجتياح في الجنوب، واغتيالات في بيروت، وغارات على الضاحية الجنوبية. وفي سورية، تتواصل المجازر، منذ أكثر من 14 عاماً، وجيش الاحتلال يتوغل بالأراضي السورية ويتراجع حينما يشاء. في هذا المناخ الكئيب، إذ يصوغ الاحتلال الإسرائيلي ومعه الولايات المتحدة مصائر الشرق الأوسط، ورد خبران بدوَا منفصلين في الظاهر، لكنهما هزّا الوجدان العربي في العمق الأول، إطلاق سراح المناضل جورج عبد الله بعد أربعة عقود قضاها في السجون ، ليغدو بذلك أقدم سجين سياسي ؛ والثاني، رحيل زياد الرحباني ، بعد أن ظننّا أن اعتكافه مؤقت، فإذا بالغياب يأتي مدوّياً ومؤلماً، لا يشبه أي موت على هذه الجغرافيا التي اعتادت الموت
يمثّل زياد الرحباني واحدة من أبرز الشخصيات الفنية المعاصرة في لبنان والعالم العربي، جامعاً بين الإبداع الموسيقي والطرح السياسي الجريء، ولد في 1 كانون الثاني 1956 في أنطلياس، وتجلّت موهبته مبكراً؛ فقد كان والده عاصي يشركه في تقييم الألحان وهو في السادسة من عمره، إذ أدرك موهبته حين استمع إلى لحنٍ دندنَه الصغير ظاناً أنه سمعه من قبل، ليجيبه زياد بأنه من وحي خياله
نشأ زياد الرحباني وهو يحمل مزيجاً من تراث الرحابنة الفني ونزعة فطرية للتجريب والتمرد وفرادة الصوت. ورغم شهرة والديه وسمعتهما اللامعة، بدأ يشق طريقه الخاص مبكراً. في سنواته الأولى كان يبشر بولادة شاعر استثنائي، لولا أنه اختار التوجه نحو الموسيقى في ما بعد، ولم يهجر الشعر تماماً، إنما تحول إلى كلمات الأغنيات السهلة والبسيطة. عُرف منذ انطلاقته بموسيقاه الحديثة وتمثيلياته السياسية الناقدة التي تصف الواقع اللبناني المؤلم بأسلوب ساخر ودقيق، واكتسب أسلوبه عمقاً وتهكماً جعلاه حالة استثنائية في المشهد الثقافي العربي
بزغت الموهبة الموسيقية لدى زياد الرحباني باكراً، في الرابعة عشرة من عمره لحّن أولى أغنياته بعنوان "ضلّك حبّيني يا لوزية" سنة 1971، التي أدتها المطربة هدى، شقيقة والدته فيروز، ثم جاءت فرصته الذهبية عام 1973 عندما عهد إليه والده بتلحين أغنية "سألوني الناس" لفيروز أثناء مرض عاصي ودخوله المستشفى. كانت الأغنية جزءاً من مسرحية "المحطة"، إذ كتب منصور الرحباني كلماتها لتعبر عن غياب عاصي. نجح زياد في هذه المهمة نجاحاً باهراً؛ فقد أثار إعجاب الجمهور برصانة اللحن الذي أبدعه وهو لم يزل في السابعة عشرة من عمره. لم تصدّق الأوساط الفنية أن هذا اللحن المؤثر وضعه شاب يافع، وقورِنَ إنتاجه آنذاك بألحان والده الكلاسيكية. ومن الطريف أن عاصي نفسه فوجئ بموهبة ابنه حين أدرك أن اللحن الجديد من صنع زياد الشاب. حينها، شكلت "سألوني الناس" انطلاقة التعاون الفني بين فيروز وابنها، وأسست لعلاقة فنية أعادت رسم ملامح مسيرة فيروز في مراحل لاحقة.
شهد العام نفسه (1973) أول ظهور مسرحي لزياد الرحباني، وذلك في مسرحية "المحطّة"، فقدّم دور الشرطي. تابع التجربة في مسرحية "ميس الريم" (1975) بدور شرطي أيضاً وشارك في حوار غنائي مع فيروز على المسرح. الأهم أنه في "ميس الريم" لحّن المقدمة الموسيقية للمسرحية، وهي مقطوعة أدهشت الجمهور آنذاك لإدخالها إيقاعات وأساليب تلحين غير معتادة على عروض الرحابنة التقليدية، يريح فيها المستمع تارة ويعيده إلى الإيقاعات، موسيقى تارةً حزينة وتارةً أخرى متأملة وهادئة. كانت المقدمة إعلاناً عن أسلوب زياد الجديد والنقيض للمدرسة الرحبانية المحافظ
بحلول منتصف السبعينيات، كان زياد الرحباني قد انتقل من مرحلة البدايات إلى رسم معالم مدرسته الفنية الفريدة. جاءت أولى أعماله المسرحية عام 1973 عبر "سهرية" التي كتب نصها وألحانها استجابة لطلب فرقة مسرحية كانت تعيد تقديم أعمال الأخوين رحباني. حملت "سهرية" طابعاً قريباً من مسرح الرحابنة من حيث الشكل، إذ وصفها زياد الرحباني نفسه بأنها كانت بمثابة "حفلة أغانٍ" أكثر منها مسرحية متكاملة الحبكة؛ فقد استخدمها لتمرير الألحان والأغنيات من دون تركيز كبير على القصة. لكن هذه كانت مجرد انطلاقة تجريبية سرعان ما تلتها انعطافة جذرية في أسلوبه
مع اندلاع الحرب الأهلية اللبنانية عام 1975، رفض أن يقدّم للجمهور عوالم خيالية بعيدة عن الواقع كما درجت عليه مسرحيات الجيل السابق، بل صمم على أن يعكس فنه هموم الناس اليومية وسط الفوضى والعنف. وهكذا قدّم سلسلة من الأعمال التي مزجت بين الكوميديا السوداء والنقد السياسي اللاذع، وجعل من خشبة المسرح مرآة صادقة للمجتمع اللبناني المنقسم والمجروح. كانت البداية مع "نزل السرور" (1974)، وهي مسرحية كوميدية-تراجيدية تناولت بجرأة التفاوت الطبقي والقهر الاجتماعي في لبنان ما قبل الحرب، من خلال قصة مجموعة من العمّال يسيطرون على مطعم شعبي ويطالبون بحقوقهم، لكنهم يواجهون بالتجاهل والخذلان من السلطة. تلاها العمل الأشهر "بالنسبة لبكرا شو؟" (1978)، وهي من علامات مسرحه، إذ صوّر حياة زوجين يديران مطعماً صغيراً وسط بيروت، ويكشف من خلال حواراتهما الساخرة هشاشة الأمل وعبثية الشعارات. وتحوّلت عنوان المسرحية إلى مثل دارج يشير إلى الشك بالمستقبل. في "فيلم أميركي طويل" (1980)، انتقل زياد إلى فضاء أشد عبثية وسوداوية، إذ تجري الأحداث في مستشفى للأمراض النفسية، وتظهر شخصيات المسرحية وكأنها انعكاس ساخر لمكونات المجتمع اللبناني برمّته، في ظل فوضى الحرب وانهيار المعايير. أما في "شي فاشل" (1983)، فقدّم تشريحاً لليأس والإحباط بعد سنوات من الاقتتال، إذ عبّر العنوان ذاته عن شعور جيل بكامله بالخيبة والفراغ. وفي مطلع التسعينيات، عاد زياد إلى المسرح بعد توقف، ليقدّم "بخصوص الكرامة والشعب العنيد" (1993)، وهي مراجعة ساخرة لما سُمّي بالسلم الأهلي في لبنان، موجّهاً نقداً لاذعاً إلى أمراء الحرب وطبقة السياسيين الذين تقاسموا الغنائم على حساب الناس. أتبَعها في العام التالي بمسرحية "لولا فسحة الأمل" (1994)، التي شكّلت ختاماً لهذا الخط المسرحي، وقدّمت شخصيات مرهقة لا تملك إلا التعلّق بأمل ضئيل، استمراراً لمزاج زياد المتشائم والواقعي
كان انحياز زياد الرحباني الدائم إلى الفقراء والمظلومين بوصلة مواقفه كلها، ساند القضية الفلسطينية مبكراً، وأدان مجازر المخيمات، واعتبر مجزرة تل الزعتر عام 1976 نقطة تحوّل في مسيرته الفكرية، دفعته إلى ترك الانخراط المباشر في العمل الحزبي، من دون أن يتخلى عن قناعاته الشيوعية. في إحدى المناسبات، قال: "الشيوعي الحقيقي لا يترك الحزب إلا ليذهب إلى السجن أو إلى القبر"
مواضيع ذات صلة
في الذكرى الأربعين: ماجد أبو غوش.. الأثر الذي لا يزول
في تأبين الشاعر ماجد أبو غوش...
اتحاد الكتاب والأدباء: معين بسيسو حنجرة غزة التي لا تموت
الهوية الفلسطينية في معرض القاهرة الدولي للكتاب.. حضور يتجدد عبر الكلمة والفن
أساتذة لغة عربية وتاريخ: طه حسين ظُلم في أزمة "الشعر الجاهلي"
حين تصبح الكتابة نجاة.. قراءة في كتاب "ذاكرة العدوان" لبيسان نتيل
"الشاعر في رؤى نفسية" لوحيدة حسين