"تجارة رام الله والبيرة": القطاع الخاص شريك وركيزة في مواجهة الأزمة الاقتصادية

*مشكلة تكدّس الشيقل ليست أزمة مصرفية فقط بل أزمة اقتصادية وطنية سببها العراقيل الإسرائيلية
* تراجع ملحوظ في النشاط الاقتصادي وانخفاض في القوة الشرائية
* نقاش مع "الضابطة الجمركية" حول سُبل حماية الأسواق من البضائع الفاسدة والمنتهية الصلاحية
رام الله- الحياة الاقتصادية- نغم التميمي- تمر فلسطين بمرحلة اقتصادية غاية في التعقيد والصعوبة، نتيجة حرب الإبادة وتبعاتها التي أثرت بشكل مباشر على الأسواق المحلية، وأدت إلى تفاقم حالة الركود وارتفاع الأسعار وتراجع القدرة الشرائية للمواطنين. وفي ظل هذه التحديات المتصاعدة، يبرز دور القطاع الخاص والغرف التجارية كمكونات رئيسية في تعزيز صمود الاقتصاد الوطني، وتأمين استمرارية العجلة الإنتاجية والتجارية.
وفي هذا السياق، أجرينا مقابلة خاصة مع المهندس محمد عابدين، نائب أمين سر مجلس إدارة غرفة صناعة وتجارة رام الله والبيرة، للحديث عن المشهد التجاري والصناعي في المحافظة، وأبرز ما تواجهه الغرفة من تحديات، إلى جانب الإجراءات والمبادرات التي تقوم بها لدعم القطاع الخاص وتخفيف تداعيات الأزمة الاقتصادية الراهنة.
تأثر القطاعات المختلفة
يقول عابدين إن “الحرب أثرت بشكل عميق على مختلف القطاعات التجارية والصناعية، حيث شهدنا تراجعًا ملحوظًا في النشاط الاقتصادي وانخفاضًا في القوة الشرائية، إلى جانب تعطل سلاسل التوريد وارتفاع تكاليف التشغيل في ظل الظروف الراهنة”.
وأضاف: “على مستوى الغرفة، لمسنا بعض التباطؤ في وتيرة الانتساب نتيجة التحديات المالية التي تواجه القطاع الخاص، إلا أن عددًا كبيرًا من الأعضاء أبدوا حرصًا لافتًا على تجديد اشتراكاتهم، تقديرًا منهم للدور الحيوي الذي تؤديه الغرفة كشريك فاعل وداعم للقطاع الاقتصادي في هذه المرحلة الدقيقة”.
وشدد على أن “غرفة صناعة وتجارة رام الله والبيرة، أسوة بسائر الغرف وممثلي القطاع الخاص، تؤمن بأهمية وحدة المؤسسات الرسمية والشرعية، باعتبارها الإطار الجامع والمرجعية الوطنية للعمل الاقتصادي. ونؤكد باستمرار أن أي مسارات اقتصادية أو تجارية ثنائية ينبغي أن تتم عبر المؤسسات الوطنية المعتمدة، حفاظًا على الشفافية، وضمانًا لتكامل الجهود، وتجنبًا لتفتيت المساعي أو خلق مسارات موازية قد تُضعف من متانة البنية الاقتصادية الوطنية”.
وأوضح أن “التغذية الراجعة على إعلان الخصم بنسبة 15% على رسوم الاشتراك السنوي لشهر كانون الثاني 2025 كانت إيجابية بشكل ملحوظ. هذا التفاعل يعكس تقدير الأعضاء للخطوة التي اتخذتها الغرفة في سياق دعم منتسبيها في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة. وقد ساهم هذا القرار في تشجيع العديد من الأعضاء على تسديد اشتراكاتهم بسرعة، حيث شكّل استجابة مباشرة للضغوط المالية التي يواجهها القطاعان الصناعي والتجاري. نعتبر هذه الخطوة امتدادًا لالتزام الغرفة بتقديم الدعم العملي والفعلي لأعضائها، وليس مجرد دعم نظري أو رمزي”.
سبل حماية الأسواق من البضائع الفاسدة
وتابع قائلاً: “ناقشنا مؤخرًا مع جهاز الضابطة الجمركية سُبل حماية الأسواق من البضائع الفاسدة والمنتهية الصلاحية، وهي قضية تشكل تهديدًا حقيقيًا على سلامة المستهلك في أسواق رام الله والبيرة، خاصة في ظل الظروف الاستثنائية الحالية. وقد تم هذا التنسيق بالتعاون مع إدارة حماية المستهلك في وزارة الاقتصاد، بصفتها الجهة الرقابية، ومع الضابطة الجمركية باعتبارها الجهة التنفيذية الميدانية”.
وأشار إلى أن “هذا الملف يحظى بأهمية قصوى، لأن حماية المستهلك وسلامة السوق المحلي تمثلان أولوية وطنية. فالمواطن في نهاية المطاف هو المستهلك، ونحن أيضًا جزء من هذا المجتمع، ومسؤوليتنا أن نضمن بيئة تجارية صحية وآمنة”.
وأكد أن “الرقابة والتفتيش المستمرّين لا يحافظان فقط على جودة المعروضات فقط، بل يعززان ثقة المواطن بالسوق المحلي، ويعكسان التزامنا ببيئة اقتصادية مسؤولة”.
وبيّن أن “الغرفة تعمل جنبًا إلى جنب مع الجهات ذات العلاقة على تعزيز آليات الرقابة والتفتيش، بالتوازي مع رفع الوعي لدى المصنعين والتجار حول أهمية الالتزام بالمعايير الصحية والمهنية، وجودة المنتج، ودعم المنتج الوطني. كما نسعى إلى تفعيل قنوات الشكاوى الرسمية وتسهيل الوصول إليها، لضمان الاستجابة السريعة لأي تجاوزات”.
وأضاف: “نحن نؤمن أن حماية السوق المحلي تصب في مصلحة الجميع، وتعزز التنافسية العادلة بين الصناعيين والتجار، وترسّخ ثقة المواطن”.
وقال: “في هذه المرحلة الحرجة، المطلوب من القطاع الخاص الفلسطيني أن يُجسد أعلى درجات المسؤولية الوطنية والاقتصادية. فهذا القطاع يشكل ركيزة أساسية في الحفاظ على استمرارية الدورة الاقتصادية، وتوفير فرص العمل، والمساهمة في استقرار السوق المحلي”.
ودعا إلى “تبني سياسات تسعير مرنة تتناسب مع القدرة الشرائية للمواطنين، إلى جانب تعزيز ثقافة المسؤولية المجتمعية من خلال مبادرات تلامس احتياجات الناس”.
ولفت إلى أن “الغرفة تشجع باستمرار على إبراز نماذج ناجحة في إدارة الأعمال وسط الأزمات، لتكون مصدر إلهام وتحفيز للآخرين، ولإثبات أن القطاع الخاص قادر على الصمود والمساهمة بفعالية في دعم الاقتصاد الوطني حتى في أصعب الظروف”.
وأشار إلى أن “ما شهده الاقتصاد الفلسطيني من انكماش العام الماضي كان عميقًا وغير مسبوق، ويعكس حجم التحديات التي نواجهها على كافة المستويات. وحتى اللحظة، لا تزال الأوضاع معقدة وصعبة، لكننا نؤمن بأن الاقتصاد الفلسطيني بطبيعته يتمتع بقدر من المرونة، فكما يتأثر بسرعة، يمكنه أن يتعافى تدريجيًا عند توفر الحد الأدنى من الاستقرار”.
وأردف: “تجاربنا السابقة، خاصة في أوقات الأزمات، أظهرت أن القطاع الخاص الفلسطيني يمتلك خبرة كبيرة وقدرة على التكيّف، وهذه الخبرات تشكل اليوم رصيدًا مهمًا في طريق التعافي. ونتطلع إلى تحسّن تدريجي إذا ما توفرت بيئة أكثر استقرارًا، وتم تفعيل سياسات داعمة ومحفزة للإنتاج المحلي، وتحسين بيئة الأعمال”.
وأضاف: “نحن نُعوّل على مرونة القطاع الخاص، وعلى تعاونه مع المؤسسات الرسمية، وعلى قدرة السوق المحلي في التأقلم، خاصة إذا رافق ذلك دعم حقيقي في السياسات الاقتصادية، وتشجيع للاستثمار والإنتاج الوطني”.
وأوضح أن “التنسيق بين غرفة تجارة وصناعة رام الله والبيرة وباقي الغرف التجارية في محافظات الوطن قائم على مستوى عالٍ من التعاون والتواصل المستمر. نعمل جميعًا تحت مظلة اتحاد الغرف التجارية الصناعية الزراعية الفلسطينية، بهدف توحيد المواقف، وتبادل الخبرات، والتفاعل المشترك مع التحديات التي يواجهها القطاع الخاص”.
وشدد على أن “هذه المرحلة الاستثنائية تتطلب تضامنًا اقتصاديًا فعليًا بين جميع الغرف، وتفعيلًا جماعيًا لأدوات الدعم والتدخل، من أجل حماية السوق المحلي، واستدامة النشاط التجاري والصناعي في مختلف المناطق. نحن نعتبر الغرف التجارية جسدًا واحدًا، يعمل بروح الفريق، ويُشكّل أحد أهم أذرع الاستجابة الوطنية في الأزمات”.
وأكد أن “القطاع الخاص الفلسطيني، رغم كل التحديات، يواصل إطلاق مبادرات وحدوية تعزز من صموده وتماسكه، وتؤكد مجددًا أن الشراكة والتكامل بين مكوناته هي السبيل الأمثل لتجاوز هذه المرحلة الحرجة”.
وقال إن “ارتفاع الأسعار الذي نراه حاليًا ناتج عن مجموعة من العوامل، معظمها خارج نطاق سيطرة التاجر أو المصنع المحلي. فعلى المستوى العالمي، هناك اضطرابات مستمرة في سلاسل الإمداد، وارتفاع ملحوظ في تكاليف الشحن، إلى جانب تقلبات سعر الصرف بين الشيقل والدولار وعملات أخرى، وكل ذلك ينعكس على تكاليف التشغيل والتوريد في السوق الفلسطيني”.
وأضاف: “داخليًا، يواجه التاجر تحديات إضافية ناتجة عن الواقع اللوجستي المعقد بفعل الاحتلال، مثل إغلاق المدن، والتفتيش المتكرر، وتأخير الشحنات في الموانئ الإسرائيلية التي لا تخضع للسيادة الفلسطينية، وهو ما يؤدي إلى ارتفاع تكاليف الأرضيات والتخزين، وبالتالي ارتفاع تكلفة البضائع عند وصولها للأسواق”.
وشدد على “ضرورة أن يتحلى التاجر بالمرونة، خاصة في مثل هذه الظروف. نحث التجار على ضبط هوامش الربح، وتقديم تسهيلات في الدفع للمستهلكين، سواء من خلال أنظمة الدفع الإلكتروني مثل بطاقات “إيزي لايف” التابعة لبنك فلسطين، أو من خلال الشراكات مع البنوك ومؤسسات التمويل”.
كما دعا إلى “مبادرات جماعية في عمليات التوريد، لتقليل التكاليف على الجميع، إلى جانب دعم المنتج الوطني كخيار أساسي لتعزيز الاستقرار الاقتصادي. والغرف التجارية، بدورها، تدعم كل مبادرة تهدف إلى تحقيق تسعير عادل ومتوازن يراعي قدرة المستهلك ويضمن استدامة السوق المحلي”.
مشكلة تكدّس الشيقل ليست أزمة مصرفية فقط
واختتم بالتأكيد على أن “مشكلة تكدّس الشيقل ليست أزمة مصرفية فقط، بل هي أزمة اقتصادية وطنية ناتجة بالدرجة الأولى عن العراقيل الإسرائيلية، وتحديدًا رفض البنوك الإسرائيلية استقبال فائض الشيقل من البنوك الفلسطينية. هذا الأمر يخلق اختناقات مالية حقيقية، ويؤثر سلبًا على قدرة البنوك المحلية في الوفاء بالتزاماتها، كما يُضيف أعباء كبيرة من حيث تكاليف التأمين والتخزين”.
وكشف أن “الغرف التجارية عقدت اجتماعًا مشتركًا مع اتحاد البنوك وسلطة النقد، تم خلاله طرح عدد من المقترحات العملية لتخفيف الأثر المباشر على التجار والصناعيين. وقد لمسنا استجابة إيجابية من الأطراف المعنية، ما ساهم في خلق قنوات تعاون لتخفيف حدة الأزمة”.
وقال في ختام اللقاء: “الحلول ممكنة، لكنها تتطلب تنسيقًا متوازيًا بين الجهات كافة، مع ضرورة إيجاد آلية دائمة وآمنة لشحن الشيقل إلى الخارج. في الوقت نفسه، يبقى التكدّس داخل البنوك الفلسطينية عاملًا يُعرقل حركة النقد ويؤثر سلبًا على دورة الاقتصاد. رغم ذلك، يُظهر القطاع الخاص الفلسطيني مرونة كبيرة في التكيّف مع هذه الأزمة، إلا أن استمرارها سيترك آثارًا عميقة على السيولة والتداول داخل السوق. لذلك، نوصي باستمرار التنسيق الوثيق بين سلطة النقد واتحاد البنوك والغرف التجارية، وبذل الجهود السياسية والدبلوماسية اللازمة للضغط باتجاه فتح قنوات منتظمة لتحويل الشيقل، حفاظًا على استقرار النظام المالي وديمومة النشاط الاقتصادي.
مواضيع ذات صلة
الذهب يتجاوز عتبة الـ5 آلاف دولار للأونصة والنفط يواصل الارتفاع
الشائعات تشعل أزمة غاز مصطنعة في الضفة
أزمة الغاز .."التخزين الزائد يساوي الحرمان لغيرك"
أسعار الذهب تقترب من 5 آلاف دولار للأونصة
"الإحصاء": عجز الميزان التجاري ارتفع بنسبة 43% خلال تشرين ثاني الماضي
انخفاض أسعار الذهب في المعاملات الفورية
الذهب يرتفع إلى مستوى قياسي