خربة الطويل تواجه الاستيطان بصمود الأجداد وعزيمة الأبناء

نابلس- الحياة الجديدة- عزيزة ظاهر- في أرض اعتاد أهلها حرثها بقلوبهم قبل أيديهم، وتوارثوا عشقها كما توارثوا زيتونها وحكايا جدرانها، تقف "خربة الطويل" في وجه أكثر من نصف قرن من المحو والتشريد، هناك، حيث تتلاقى الطبيعة الريفية الهادئة مع قسوة الاحتلال، يخوض أبناء الخربة معركة الصمود، لا بأسلحتهم، بل بأرضهم، وأغنامهم، ومدارس أطفالهم، وبإيمانهم بأن ما سقي بدماء الأجداد لن يقتلع من جذوره.
تتربع خربة الطويل في سهل خصيب تحيط به الجبال، شرقي مدينة نابلس، ولا تبعد عن بلدة عقربا سوى كيلومتر، هذه القرية الصغيرة التي لا يتجاوز عدد سكانها 250 نسمة، تتوزع بيوتها المتواضعة بين البساتين وأحضان الطبيعة، ويعتمد أهلها على الزراعة وتربية الماشية كمصدرين رئيسيين للرزق، إذ يرعون ما يزيد عن 4000 رأس من الأغنام، ويزرعون القمح والبقوليات في أراض اعتاد أجدادهم جني خيرها منذ عشرات السنين.
حياة تحت التهديد المستمر
رغم بساطة الحياة في الخربة، إلا أن سكانها يعيشون على فوهة التهديد اليومي، قوات الاحتلال لا تتوقف عن توجيه إخطارات الهدم، التي طالت كل شيء، منازل، مسجد، آبار لجمع مياه الأمطار، بركسات المواشي، وحتى المدرسة التي شيدت بمبادرة من البلدية.
والاعتداءات التي تتعرض لها "الطويل" لا تأتي فقط من المؤسسة العسكرية الاحتلالية، بل يشارك فيها المستوطنون الذين يستبيحون الأرض بلا حسيب، فيحرقون المحاصيل، ويرشون المزروعات بالمبيدات، ويسرقون المواشي، ويغلقون الطرق المؤدية إلى الخربة، سكان القرية يمنعون من الوصول إلى أراضيهم، والرعاة يطاردون، وأطفال المدارس يقطعون مسافات طويلة سيرا على الأقدام في طريق محفوف بالخطر.
الاعتداءات الاخيرة
يوسف ديرية الناشط ضد الاستيطان، يتحدث لـ"الحياة الجديدة" عن الاعتداءات الأخيرة التي تعرضت لها الخربة: "تواصل سلطات الاحتلال الإسرائيلي والمستوطنون تنفيذ سلسلة من الاعتداءات الممنهجة جنوب شرق نابلس، في إطار سياسة تصعيد استيطاني تهدف إلى السيطرة على الأرض وطرد سكانها الفلسطينيين، قبل نحو أسبوع تعرضت خربة الطويل لهجوم استيطاني يعتبر الأعنف منذ سنوات، حيث أعاد المستوطنون تجريف وإغلاق الطريق المعبد بين بلدة عقربا وقرية مجدل بني فاضل، بعد أيام قليلة من إعادة فتحه على يد البلدية والأهالي، كما أقدموا على نصب ثلاث خيام وبركسات في منطقة جبل قرقفة – تلة الوعر، ضمن تحرك واضح لتوسيع بؤرة استيطانية جديدة.
ويتابع ديرية: وفي اعتداء آخر، أطلق مستوطنون النار على المواطن رامي بني فضل أثناء عمله في مزرعته جنوب عقربا، ما أدى إلى إصابته في قدمه، ويأتي ذلك بعد تخريب مزرعته وتكسير زجاج غرفته، كما هاجم مئات المستوطنين، بحماية جيش الاحتلال، أهالي خربة الطويل، واعتدوا عليهم بالضرب والأسلحة النارية، وحرق محاصيلهم الزراعية، ومنعوا الشبان من الوصول للدفاع عن الخربة، وأسفر الهجوم عن إصابة 18 مواطنا، بينهم ثلاث إصابات بالرصاص الحي، و14 نتيجة اعتداءات جسدية، إضافة إلى إصابة إثر سقوط أثناء مطاردة من قبل المستوطنين.
ويضيف: في تطور لافت، قام المستوطنون بسرقة نحو 450 رأس غنم تعود لمزارعين من المنطقة، واقتادوها إلى داخل البؤرة الاستيطانية شرق خربة الطويل، كما تم تخريب خيام ومحال تعزيب الأهالي هناك، تأتي هذه الاعتداءات في سياق مخطط استيطاني متسارع يستهدف تغيير الواقع الديمغرافي والجغرافي في المنطقة، وسط صمت دولي مريب وتواطؤ من جيش الاحتلال، وكل ما في خربة الطويل مهدد، يريدون إفراغها من سكانها وطمسها عن الوجود.
شهادات أهالي الأرض
ام محمد بني جامع، التي استشهد ولدها البكر محمد قبل نحو عام على ثرى الخربة دفاعا عنها بعد تعرضها لهجوم استيطاني شرس، تقطن الخربة منذ 47 عاما، وتروي وجعها لـ"الحياة الجديدة" بكلمات تختلط فيها الدموع بالغضب: "هدموا بيتي، سرقوا حلالنا، وأحرقوا رزقنا، قتلوا ابني فلذة كبدي بكري وأغلى ما أملك، حتى سياراتهم العسكرية لا تغادر ساحاتنا، يزرعون الرعب في قلوب الأطفال، رغم كل هذا لن نرحل، وسنظل متشبثين بأرضنا وأرض أجدادنا، استشهاد ولدي على ترابها زادني تشبثا بالبقاء فيها حتى الموت.
جهود متكاثفة لدعم البقاء
رئيس بلدية عقربا صلاح الدين بني جابر، يقول لـ"الحياة الجديدة": خربة الطويل ليست قرية طارئة أو تجمعا عشوائيا، بل منطقة أثرية مأهولة منذ أزمان بعيدة، كما تدل آثارها وبقايا أبنيتها الحجرية وخزاناتها القديمة، وتمتد أراضيها الخصبة على نحو 30 ألف دونم، كان يزرع فيها سابقا السمسم والذرة، في العام 1972 استولى الاحتلال على المنطقة الشرقية من خربة الطويل (كمنطقة عسكرية) ثم منحها للمستعمرين لإقامة مستعمرة "جيتيت" الزراعية، وهي ذاتها المنطقة التي لوحق الرعاة فيها وأطلقت النيران على أغنامهم وأبقارهم وقتلت أمامهم بين الأعوام 1972-1980.
ويتابع: "تعرضت خربة الطويل لعمليات هدم 17 مرة من العام 2008 حتى يومنا هذا، في ثمانينيات القرن الماضي واجه أهالي بلدة عقربا جنوب نابلس المستوطنين، وأسقطوا مخططاتهم في الاستيلاء على مساحات واسعة من اراضي الخربة، لصالح توسيع مستعمرة (جتيت)".
وعن دور البلدية في تعزيز صمود أهالي الخربة يوضح: رغم قلة الإمكانيات، حاولت بلدية عقربا، دعم صمود السكان، وتعزيز بقائهم في المكان، قمنا بشق الطريق بين الخربة والبلدة الأم، وبنينا مدرسة للتخفيف عن أطفالنا، رغم التهديدات والهدم، لأننا نؤمن بأن هذه الأرض يجب أن تحمى، لا أن تترك للضياع، ولتثبيت الأهالي في أراضيهم، نفذت البلدية سلسلة من الإجراءات والدعم، أبرزها توفير البنية التحتية والخدمات مجانا، بما يشمل الطرق والكهرباء والمياه والمدارس، وأعادت بناء المنشآت المهدمة، سواء سكنية أو زراعية، وقامت بتعويض المتضررين من الاعتداءات عبر التعاون مع مؤسسات محلية ودولية، وتوفير احتياجات المواشي من الأعلاف واللقاحات والأدوية.
ويؤكد بني جابر أن "الناس لا يجب أن يتركوا وحدهم في هذه المواجهة الشرسة"، مشيرا إلى أن الدعم ساهم في تعزيز شعور الأمان لديهم وزاد من تمسكهم بأرضهم.
مواضيع ذات صلة
يوم مظلم في "وادي الرخيم"!
عام على العدوان… صرخة اهالي مخيمي طولكرم ونور شمس في وجه تقليص الخدمات واستمرار النزوح
فتح وأهالي مخيم شاتيلا يحيون ذكرى استشهاد القائد علي أبو طوق
غزة: مجتمعون يبحثون قرارات الفصل الجماعي ويطالبون الأونروا بالتراجع عنها
قوات الاحتلال تقتحم تجمع "خلة السدرة" البدوي قرب مخماس
الحملة الوطنية لاسترداد جثامين الشهداء: الاحتلال يواصل احتجاز جثامين 776 شهيدا
إصابة طفل برصاص الاحتلال في مخيم قلنديا