عاجل

الرئيسية » تقارير خاصة »
تاريخ النشر: 07 تموز 2025

"نقاط الموت".. 613 ضحية في شهر واحد

حين تصبح المساعدات الإنسانية كمائن للموت في غزة

القاهرة- الحياة الجديدة- نادر القصير- أمام ما كان يُفترض أن يكون بصيص أمل، باتت نقاط توزيع المساعدات في قطاع غزة أفخاخًا دامية تحصد الأرواح بدلًا من أن تسدّ الرمق. في مشهد يفوق الوصف، تحوّلت هذه المواقع التي تقصدها العائلات المنكوبة بحثًا عن الطحين أو الماء إلى ساحات قتل جماعي.

"ذهب ليحضر الطحين.. فعاد شهيدًا في كفن بلا خبز" بصوتٍ مخنوق ودمعةٍ لا تنضب، روت أمّ محمد من مخيم النصيرات كيف فقدت ابنها البكر يوسف، البالغ من العمر 22 عامًا، حين خرج فجراً إلى نقطة توزيع قرب حيّ الزيتون. تقول: "قال لي: أمي، سأعود سريعًا.. لا تقلقي، فقط سأجلب كيس طحين". وتتابع بانكسار: "انتظرته حتى غابت الشمس، وجاءني الجيران يحملون صورته على الهاتف.. كان مرميًا على الأرض، والدماء تغمر وجهه.. لم يصل إلى الطحين، لكنه وصل إلى حتفه".

613 ضحية في شهر واحد..

المتحدثة باسم مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان، رافينا شامداساني، كشفت في مؤتمر صحفي بجنيف، الجمعة، أن 613 فلسطينيًا قُتلوا في غضون شهر واحد فقط، قرب مراكز توزيع المساعدات. وأضافت شامداساني، في بيان، إن بين الشهداء 509 أشخاص في محيط مؤسسة غزة للإغاثة الإنسانية، التي تديرها الولايات المتحدة و"إسرائيل". وأشارت إلى أن العدد "قد يكون أكبر"، مضيفة أن الهجمات المتكررة في محيط هذه النقاط "تشير إلى نمطٍ خطير من تجاهل حياة المدنيين" مشددة أن هذا أمر غير مقبول.

رصاص بدل المساعدات

في منطقة (نتساريم) على مشارف مخيم البريج حيث تأخذ مؤسسة غزة للإغاثة الإنسانية نقطة توزيع لها شاهد الطفل "آدم" بعينيه والده يسقط أمامه برصاصة في الصدر، بينما كانا يقفان مع مئات العائلات في طابور الانتظار تحت الشمس.

يهمس الطفل الذي لم يتجاوز 10 أعوام: "بابا وقع على الأرض.. كنت ماسك إيده.. كنت مفكرين رح ناخد رز". وتنهمر دموع أمه، وهي تحتضنه وتقول: "كنا نحسب أننا في طابور نجاة، لكننا كنا في طابور موت".يقول الصحفي رجاء العبد: "في كل مرة تُفتح فيها نقطة مساعدات، نركض نحوها كأننا نركض نحو الحياة، لكننا نعلم في قرارة أنفسنا أن الموت قد ينتظرنا هناك".

الأمم المتحدة تحذر.. بلا مجيب

رغم التحذيرات المتكررة من هيئات الأمم المتحدة والمنظمات الإنسانية، لا تزال القوات الإسرائيلية تستهدف أو تخلق ظروفًا تجعل من التجمعات الإنسانية أهدافًا سهلة.

وأكدت شامداساني أن "الأمن الغذائي لا يمكن تحقيقه وسط القصف، ولا يمكن إنقاذ المدنيين من المجاعة حين يصبح توزيع الخبز مناسبة للقتل". "نريد أن نعيش فقط"، "نحن لا نحمل سلاحًا، فقط نحمل بطاقات المساعدات"، يقول الشاب حسن، النازح في خان يونس. ويتابع بحنق وألم: "لا نطلب إلا البقاء.. لا نريد أن نموت على رغيف خبز".

في غزة، لم تعد الحروب فقط على الجبهات، بل وصلت إلى أرغفة الفقراء، وأصبحت الطوابير الطويلة على المعونات طقوس وداع يومية لأحبّاء لا يعودون. وفي ظل صمتٍ دوليٍ مخجل، تبقى غزة تُدفن في كل يوم أكثر، ليس فقط تحت الركام، بل تحت خيبة الأمل من عالمٍ أدار وجهه عن المذبحة.