ماتَ بائِعُ الْكَنْتين
حسام ابو النصر

الْخَبرُ قصفُ عَلى حَيِّ الرِّمال، الْحديثُ يَدورُ عنْ مُربَّعٍ سَكَنِيٍّ كامِل، ما إِنْ انْقَشعَ الْغُبارُ حتّى عَلِمتُ أنَّ مَدْرسَتي كانتْ ضِمنَ الْمِنْطقةِ الْمَمْسوحَة.
عادَ بيَ شَريطُ الذِّكْرَياتِ حَيْثُ كنتُ وَصَديقي عِصام نَتَبادلُ الْعَزومةَ في كَنْتينِ مَدرْسَة خَليل الْوَزير الثّانَويَّة التي أَصْبَحت مَدْرسةُ فِلَسْطين الثّانوِيَّة فيما بَعْد. (شارِعُ فِلَسْطين معَ شارِعِ الْوحدَة) لَقَدْ كُنّا نَنْتهِزُ وقتَ الْفورسَة (الرّاحةُ الْمَدْرسيَّة بينَ الْحِصَص وَوقْتها رُبع ساعَة) فَنَخْرجُ معاً إلى السّاحةِ وَنَتَوجَّهُ إلى صاحبِ الْكَنْتين عَمّي "أبو محمد" وَهو أَحدُ رُموز الْمَدْرسَة فَنَتجَمَّع حوْلهُ نَتجاذَبُ أَطْرافَ الْحَديث.
السّاحةُ كَبيرةٌ وَواسِعة، مَجْموعةٌ تَلْهو، وَأُخْرى تَتَسامَر، وَطُلّابٌ يَمْشونَ فُرادى يُحَدِّقونَ النَّظرَ فيما حَوْلهم.
كُنْتُ وَعِصام صَديقا الْبرْش، لَيْسَ برْشَ السِّجْن بلْ مِقْعَد الصَّفِّ. بَدأَتْ عَلاقَتُنا حينَ عُدْتُ مِنَ الْجَزائر في صَيْفِ عام 1996م، كانَ كلُّ ما حَوْلي يَنْظرُ لي كَغَريب. الْمَدْرسةُ أَغْلَبها منْ عائِلاتِ غَزَّة الْعَريقَة: سكيك، مُشتهى، أبو شَعبان، الْخُزندار، الرَّيس، الْعَلمي، الْيازجي، الصّوراني، الشّوا... إلخ. كانَ هُناكَ تَرابطٌ وَطيدٌ بَيْنهُم بِحُكْمِ النَّسَب َوالْقَرابَة أَو الصَّدَاقَة وَالْعَلاقات، لِذا لَمْ يَكُنْ منَ السَّهلِ الانْدِماج مَعَهُم.
عِصامٌ منْ إِحْدى عائِلاتِ غَزَّة التي تَقْطنُ حَيَّ الدَّرَج. إنَّهُ بَسيطٌ جدّاً ومنَ الْعائِلاتِ الْمُتوَسِّطة. اسْتَطعْنا أنْ نُكوِّنَ عَلاقَة انْدِماج مَعاً وَصَداقَة. كانَ مُؤدَّباً خَجولاً نَضْحكُ كَثيراً، وَنَحْفَظُ مُلاحَظاتٍ تَخُصُّ مَنْ حَوْلَنا. إِنَّهُ يَكْرَهُ النَّميمَة، وَكانَ يَتَحدَّثُ الْغِزّاوِيَّةَ الأصْلِيَّة. تَعَرَّفْتُ من خِلالَهِ عَلى غَزَّة الْقَديمَة، وَأَذْكرُ جَيِّداً حينَما عَزمَني وَاصْطَحَبَني إلى بَيْتِهِمْ الْمُتواضِع.
يا إلهي..!!
إِنَّهُ مَحْشي الْجَزَر، جَزرٌ أَحْمر، كُنْتُ أَوَّلُ مَرَّةٍ آكُلَه، إِنَّها إِحْدى أكَلات غَزَّة الْعَريقَة،
لَقَدْ كانَ حَقّاً شَهِيّاً.
كانتْ مِنْطقةُ الرِّمالِ تَضُمُّ الطَّبَقةَ الرّاقِيةَ منَ الْعائِلاتِ الْمُواطِنة، وَحيُّ الدَّرَجِ كانَ يَضمُّ عائِلاتِ الطَّبَقةِ الْحِرفيَّةِ وَأرْبابَ الصِّناعاتِ الْخَشَبيَّةِ وَالتَّقْليدِيَّة وَالتُّجّارَ الْبُسَطاء. كُنْتُ أَشْعرُ بِالتَّميُّزِ كَوْني منَ اللّاجِئينَ الْقَلائِلَ الّذينَ دَرَسوا معَ أَبْناءِ عائِلاتِ غَزَّةَ الْمُواطِنين.
قدْ يَكونُ ذلكَ أَحَدُ الأَسْبابِ التي جَعَلتْني أَعْرِفُ غَزَّةَ حَقَّ الْمَعْرِفَةِ منَ الدّاخِلِ،
إِنَّها مَدينَةٌ مَليئَةٌ بِالتَّناقُضاتِ الطَّبَقِيَّةِ وَالاجْتِماعِيَّةِ وَالاقْتِصادِيَّة. وَقَدْ يَكونُ هُناكَ تَجَنِّيَ حينَ يُقالُ: إِنَّ الْمُواطِنيينَ لا يُحبّونَ الْمُهاجِرينَ( أَي اللاجئين). وَالْحَقيقةُ أَنَّنا شَعْبٌ يُتْقِنُ الاخْتِلاف. الْأَهَمُّ مِنْ ذلِكَ كُلِّهِ أَنَّ اللَّحْظَةَ التي أجْتَمِعُ بِها مَعَ عِصام عِنْدَ صاحبِ الْكَنْتينِ يَقومُ بِقَسْمِ الْخُبْزة لِنِصْفينِ أَيْ جَيْبَيْنِ مُتَساوِيَيْنِ، ثُمَّ يَحْشوَ كُلَّ جَيْبٍ بِقُرْصَيِّ فَلافِل، ثُمَّ يَضعُ السَّلَطةَ وَالْفُلْفلَ الْأَحْمَر، ونَشْتري مَعَها عَصيراً أوْ كُبّاية شاي. ثُمَّ نَتَمخْترُ في السّاحَة، لا وَرانا سِياسَة، ولا هّمٌّ عائِليٌّ أَوْحُروب. إِنَّها أكْبرُ فُرْصَةٍ يُمْكِنُنا فيها أَنْ نَتَحدَّثَ مُطَوَّلاً. فَداخِلُ الصَّفِّ يُمْنَعُ الْحَديثُ الْجانِبِيّ بل يَكادُ يَكونُ مُحَرَّماً. إلى جانبِ ذلكَ كانَ هُناكَ أُسْتاذٌ يَتَقصَّدنا، فَكُلَّما رآنا أنا وَعِصامَ نَتَهامس يُخْرِجنا منَ الصَّفِّ.
وَغالِباً حينَما يَرنُّ جَرسَ الْفورسَة بِالْكادِ نكونُ قدْ انْهَيْنا أَكلَ السَّندويشات وَلمْ نُكْمِلْ حَديثَنا بَعدُ فَنُؤَجِّلهُ إِمّا للرَّواحِ أوْ لِفورسَةِ الْغَد.
يَلْحَقنا سُكرتيرُ النّاظِر"أَبو دَلال" بِخَزَرانةٍ رَفيعَةٍ لِيَضْرِبَنا عَلى أَرْجُلِنا وَمُؤَخِّراتِنا كَالْغَنمِ كَيْ نَدْخلَ إلى الصُّفوف.
عمّي "أَبو وَسيم" ناظِرُ الْمدْرَسة يُراقِبُ الْأُمورَ منْ بعيدٍ وَيتدخَّل ُعندَ الضَّرورَة.
رَجلٌ ذو هَيْبَةٍ وَوَقار، صارِمٌ حادُّ الطِّباع، تَتَمَثَّلُ أَصالَةُ الْمَدينةُ، قِيَمُها وَمُثُلُها الْعُليا. كُنتُ أَتَعَسَّسُ مِنْ حينٍ لِآخَرِ أَخْبارَ الْأَساتِذَةِ وَرُفَقاءِ الْمَدْرسَةِ الثّانَوِيَّة فَتَمْثُلُ أَمامي أَجْمَلَ فَتْرةٍ عِشْتُها في غَزَّةَ، كانَ ذلِكَ قَبْلَ أَنْ أَتَنَقَّلَ مَرَّةً أُخْرى بينَ كُلٍّ مِنَ الْجَزائِر وَغَزَّة وَمِصْر، حتّى اسْتَقرَّ بِيَ الْحالُ في رامَ الله.
إنَّ أَكْثرَ خَبَر أَحْزَنَني بعدَ نَسْفِ مَدْرَسَتي هوَ مَوْتُ صاحِب الْكَنْتينِ بعدَ مُعاناةٍ معَ الْمَرضِ. صَحيحٌ عُمْرهُ فوقَ الثَّمانينَ رُبَّما لمْ يَحْتَمِلْ مَرارةَ النُّزوحِ كَالْكَثيرِ غَيْره. وَقدْ يَتساءَلُ أَحدُكُم: "لَهالدَّرَجَة أَثَّرْ فيكْ صاحِب الْكَنْتين"..؟! الْجَوابُ: إنَّ الذِّكْرياتِ الْمُحيطَةُ بِالْأَشْخاصِ تَبْقى عالِقَةٌ في الذّاكِرَةِ حتّى لوْ كانَ الشَّخْصُ غَيْرَ مِحْوَريٍّ في حَياتِك لكنّهُ نُقْطَة الْتِقاء حَمَلتْ مَعانٍ إِنْسانِيَّةٍ كَثيرَةِ. وَبكُلِّ بَساطَةٍ؛ لَقدْ جَمَعَتْنا بَساطَةُ الْحَياة، وَمُلْتَقى الثَّقافاتِ وَالعائِلاتِ الصَّغيرةِ مِنْها وَالْكَبيرَة.
مُلْتَقى الْأَفْكارِ التي كانَتْ تَتَبَلْورُ بينَ الشَّبيبَةِ وَالْإِسْلاميين، وَحتّى الْيَساريينَ أَيْضاً. لكِنَّها لَمْ تَكُنْ تَحْمِل مَعْنى الاخْتِلافِ السِّياسي بِقَدْرِ التَّنافُسِ الثَّقافِيّ. حَياةٌ بَعيدَةٌ عَنِ التَّكَلُّفِ، فَلا أَذْكرُ أَنَّني قَدْ أَكلْتُ الْفَلافِلَ بِشَراهَةٍ بَعْدَ تِلْكَ الْفَتْرَة.
قَدْ يَكونُ السَّببُ لَيْسَ لِطَعْمِها فَقَطْ؛ إِنَّما ما يُصاحِبُها مِنْ الْأَكْلِ جَماعةً وَلَمَّةُ الْأَصْدِقاءِ التّي لَها نَكْهَتُها الْخاصَّةُ وَمَذاقٌ لا يُقاوَم.
ماتَ منْ ماتَ، وعاشَ منْ عاش، جَميعُنا تَفَرَّقْنا. الْحَرْبُ لَمْ تُبْقِ شَيْئاً عَلى ما كانَ، أَوْ تَتْركْ أَحَداً في مكانِه.
الرِّمالُ باتَتْ أَكَثَر خَرسانِيَّة وَلا سَرابٌ في الْأُفُقِ يَلوح.
كانَتْ هُناكَ مَدْرَسَةٌ وَآثارٌ لِقِطَعٍ خَشَبِيَّةٍ تَدُلُّ عَلى صاحِبِ الْكَنْتين.
السَّببُ لَيْسَ لِطَعْمِها فَقَطْ؛ إِنَّما ما يُصاحِبُها مِنْ الْأَكْلِ جَماعةً وَلَمَّةُ الْأَصْدِقاءِ التّي لَها نَكْهَتُها الْخاصَّةُ وَمَذاقٌ لا يُقاوَم.
ماتَ منْ ماتَ، وعاشَ منْ عاش، جَميعُنا تَفَرَّقْنا. الْحَرْبُ لَمْ تُبْقِ شَيْئاً عَلى ما كانَ، أَوْ تَتْركْ أَحَداً في مكانِه.
الرِّمالُ باتَتْ أَكَثَر خَرسانِيَّة وَلا سَرابٌ في الْأُفُقِ يَلوح.
كانَتْ هُناكَ مَدْرَسَةٌ وَآثارٌ لِقِطَعٍ خَشَبِيَّةٍ تَدُلُّ عَلى صاحِبِ الْكَنْتين.
--------
من مجموعة قصصية ستصدر قريبا بعنوان " رسائل الفر"
مواضيع ذات صلة
في الذكرى الأربعين: ماجد أبو غوش.. الأثر الذي لا يزول
في تأبين الشاعر ماجد أبو غوش...
اتحاد الكتاب والأدباء: معين بسيسو حنجرة غزة التي لا تموت
الهوية الفلسطينية في معرض القاهرة الدولي للكتاب.. حضور يتجدد عبر الكلمة والفن
أساتذة لغة عربية وتاريخ: طه حسين ظُلم في أزمة "الشعر الجاهلي"
حين تصبح الكتابة نجاة.. قراءة في كتاب "ذاكرة العدوان" لبيسان نتيل
"الشاعر في رؤى نفسية" لوحيدة حسين