طلاب التوجيهي في نابلس يكتبون المستقبل على حافة الخوف

نابلس– الحياة الجديدة- حنين خالد- في قلب البلدة القديمة من نابلس، بين الأزقة العتيقة والضيقة التي لطالما حملت عبق التاريخ، وبين جدران بيت يطوقه الصمت والقلق، تجسد زينة حمدي قصة جيل بأكمله، زينة الطالبة في الفرع الأدبي للثانوية العامة لعام 2025، التي لم يكن عامها الدراسي عادياً، تمثل صورة صلبة واقعية لمعركة مستمرة ولطلبة يكافحون من أجل النجاح. بينما مدينتهم تنزف.
سنة دراسية ليست كأي سنة، بل رحلة شاقة تجمع بين تحديات الدراسة وضغوط الحياة اليومية، في وقت تعيش فيه مدينة نابلس تحت وطأة اقتحامات متواصلة وظروف اقتصادية وأمنية صعبة.
زينة حمدي: "حملت الوطن على كتفي"
زينة، التي تحدثت بصوت مثقل يختلط فيه الإصرار مع التعب، أكدت أن عامها الدراسي كان مرهقًا صعباً بكل المقاييس. تقول: "رهبة التوجيهي وحدها تكفي، التوجيهي صعب لكن الأصعب أن تدرس على وقع الرصاص؛ بتنهيدة تتابع فكيف إذا تراكمت فوقها ضغوط نفسية وعائلية وأمنية خانقة؟".
"كنت أحاول تنظيم وقتي بين المواد والدروس؛ لكن كثافة الامتحانات والضغوط جعلتني أشعر بالاحباط مراراً، خصوصاً عندما كنا نستيقظ على اصوات الاقتحامات التي شهدتها نابلس من صعوبة الوضع، حيث كانت الأصوات المتواصلة من الاشتباكات تؤثر بشكل مباشر على تركيز الطلاب. وتضيف زينة: "صور الأطفال تحت الركام في غزة لا تفارق ذهني، وكأننا نعيش ألم وطننا بأسره، ونحن نحاول التوفيق بين دراستنا وأوجاعنا." تقول زينة.
وفي الوقت الذي كان الاحتلال يقتحم أحياء نابلس بشكل متكرر ويحول لياليها الى كوابيس توثر على تركيز الطلبة، كانت زينة ومع اقتراب منتصف العام تعيش تحدياً آخر لا يقل قسوة، فقد تعرضت والدتها لحادث سير أليم وخطير دخلت على إثره المستشفى. كانت ضحى، التي تعدّ السند الأكبر لابنتها، قد أصيبت بكسر في العمود الفقري. هذا التحدي الجديد وضع زينة وحدها أمام مسؤولية مضاعفة، فانتقلت من عالم الكتب والامتحانات إلى واقع جديد يتطلب منها رعاية ومسؤولية منزلها ومتابعة دراستها في الوقت نفسه. تقول زينة: "أمي كانت كل شيء، هي من توقظني لصلاة الفجر؛ تحضر طعامي وترتب غرفتي؛ ترافقني إلى المدرسة بل احيانًا كانت تراجع معي المواد وتجري لي اختبارات يومية، وبعد الحادث أصبحت مسؤولة عن كل شيء، لكنني كنت أخفي التعب والألم حتى لا أزيد ألم أمي وحزنها.
أما والدتها ضحى، فقد عبرت عن فخرها الشديد الممزوج بالحزن: قائلة: "زينة ابنتي البكر، سندي في كل شيء، كانت تحمل همومنا جميعًا على كتفيها، تبذل جهدًا مضاعفًا، وتحمل أعباء المنزل على عاتقها، ترعاني وأنا مصابة؛ لكنها لم تترك دراستها وتراجع دروسها بعيون ساهرة. تدير حياتنا اليومية بصمت وعزيمة. أصعب ما في الأمر أن ترى ابنتك تتألم دون ان تتمكن من الوقوف لمساندتها".
وتتابع الأم بنبرة حزينة: "نعيش في مدينة لا تهدأ، يقتحهمها الاحتلال متى شاء، ويزرع الرعب في قلوب اطفالنا وطلبتنا، كيف يمكن للطلاب أن يركزوا في دراستهم بينما يعايشون كل هذه التحديات؟".
واقع الطلاب في ظل القصف والاعتقالات..
تؤكد كلمات زينة ووالدتها واقع آلاف من طلبة الثانوية العامة في نابلس، الذين يعانون من ظروف قاسية جدًا. يشير مدير تربية وتعليم نابلس، أحمد صوالحة، في حديثه الخاص لـ الحياة الجديدة إلى أن حوالي 5356 طالبًا من مدينة نابلس وضواحيها يسطرون قصة صمود، يتقدمون لامتحان الثانوية العامة لعام 2025 وسط تحديات غير مسبوقة".
ويوضح صوالحة أن هناك تنسيقًا عاليًا لضمان سير الامتحانات في ظل الظروف الحالية، بما في ذلك توفير قاعات امتحان توزع أوراق الامتحانات أحيانًا في أماكن غير تقليدية مثل سجن جنيد ومستشفى النجاح بالمدينة وحتى في سجون الاحتلال، نتحدى الحصار بالإصرار ونخطط مسبقاً لأي طارئ.
"كان هناك تخوف دائم من التأخير في وصول الأسئلة إلى مراكز الامتحان بسبب الحواجز والاعتداءات المتكررة. لكن بفضل الله، كان هناك تعاون مثمر من جميع المؤسسات لتوفير وسائل نقل بديلة وتحديد نقاط تخزين للأسئلة في المناطق المحاصرة مثل بيت فوريك وعصيرة الشمالية"، يقول صوالحة.
القلق النفسي والتعامل مع الضغوط
ويعترف صوالحة بأن الوضع النفسي للطلاب ليس سهلًا في ظل الظروف الراهنة، مشيرًا إلى أن الضغط النفسي يشمل ليس فقط الضغوط العسكرية، بل أيضًا المخاوف الشخصية المتعلقة بمستقبلهم الأكاديمي في وقت تعتبر فيه الثانوية العامة مصيرًا بالنسبة لهم. "القلق مشترك بين جميع الطلاب، خاصة مع استمرار الوضع الأمني الصعب منذ عام 2023 وحتى الآن، وهو ما يؤثر بشكل مباشر على قدرتهم على التركيز والتفاعل مع امتحاناتهم"، يضيف صوالحة.
إلى جانب ذلك، يتم دعم الطلاب نفسيًا من خلال المرشدين التربويين والأخصائيين الاجتماعيين الذين يعملون على تقديم الدعم العاطفي للطلاب عبر وسائل التواصل الاجتماعي لتخفيف الضغط النفسي، في حين يبقى الدعم العائلي جزءًا أساسيًا من منظومة الدعم النفسي.
الاستعدادات اللوجستية في حالة الطوارئ
حول استعدادات المديرية لمواجهة أي طارئ، يوضح صوالحة: "نحن مستعدون لأي حالة طوارئ قد تطرأ، خاصة في حال اقتحام القوات الإسرائيلية لأي منطقة بالقرب من مراكز الامتحان. نحن لدينا خطط بديلة لتوزيع الطلاب على قاعات بديلة، وقد تم التنسيق مسبقًا مع الطلاب من المناطق التي تشهد توترات كبيرة مثل بيت فوريك وعصيرة وغيرها."
ويضيف صوالحة: "تم التعامل مع طلبة الثانوية العامة في سجون الاحتلال من خلال تأمين الامتحانات لهم في السجون، ونحن نتابعهم باستمرار لنضمن أن يكونوا على دراية بمواعيد امتحاناتهم."
نجاح تحت الضغط
رغم كل هذه التحديات، أكد صوالحة أن الامتحانات تسير بشكل جيد، والطلاب يواصلون تقديم امتحاناتهم بانتظام. "حتى في الأيام التي شهدت إطلاق صواريخ أو إغلاق الحواجز، تمكنا من ضمان وصول الأسئلة في الوقت المحدد، والتنسيق بين المؤسسات المحلية ساعدنا في التغلب على الصعوبات."
وأمام كل هذه التحديات، رغم كل العوائق تؤكد زينة بثقة في ختام حديثها: "نحن لم ندرس فقط لننجح؛ بل لنصمد ونجحنا في البقاء واقفين، فالنجاح هنا ليس رقماً في كشف علامات بل بقاء على قيد الأمل وهذا هو الإنجاز الحقيقي". نأمل أن تُراعى الظروف التي مررنا بها في عملية التقييم، لأننا لم ندرس في بيئة طبيعية، بل في ظروف استثنائية.
أما ضحى، فتختتم حديثها بالدعاء: "اللهم اجعل تعبهم نورًا، وصبرهم باباً للفرج، ووفق أبناءنا وبناتنا لما فيه خير مستقبلهم، ووطنهم، وانصرهم بالعلم كما تنصر الاوطان بالصمود، وارفَع عنّا الكرب والبلاء."
لا تزال مدينة نابلس تنزف ليس فقط من جراح الاعتداءات الاحتلالية؛ بل من قلوب طلابها التي تحترق شوقاً للحياة، وسط رماد الخوف بين أصوات الرصاص والكتب المفتوحة، تشهد نابلس على صمود شبابها، ويكتبون فصلاً جديدًا من فصول التحدي، المعركة من أجل الحلم.
مواضيع ذات صلة
يوم مظلم في "وادي الرخيم"!
عام على العدوان… صرخة اهالي مخيمي طولكرم ونور شمس في وجه تقليص الخدمات واستمرار النزوح
فتح وأهالي مخيم شاتيلا يحيون ذكرى استشهاد القائد علي أبو طوق
غزة: مجتمعون يبحثون قرارات الفصل الجماعي ويطالبون الأونروا بالتراجع عنها
قوات الاحتلال تقتحم تجمع "خلة السدرة" البدوي قرب مخماس
الحملة الوطنية لاسترداد جثامين الشهداء: الاحتلال يواصل احتجاز جثامين 776 شهيدا
إصابة طفل برصاص الاحتلال في مخيم قلنديا