عن رواية عين التينة للروائي د. صافي صافي
محمود شقير

1
يكتب الروائي د. صافي صافي روايته بالاستناد إلى الرحلة التي تهدف إلى التعرّف على معالم البلاد التي خضعت لاحتلال ليس له مثيل، احتلال إحلالي إقصائي يهدف إلى طرد أصحاب البلاد الأصليين، وإحلال مهاجرين من كل بقاع الدنيا في مكانهم.
ويتمّ السرد بلغة حسّيّة موحية عبر استخدام ضمير المتكلم، بحيث تتقاطع سيرة السارد في الرواية مع سيرة المؤلف في جوانب عديدة لا تخفى على من يعرف صافي صافي الذي يعيش في رام الله، ويعيش السارد كذلك في رام الله، وقد اعتاد صافي صافي أن يذهب مع عدد من زملائه وزميلاته في رحلات داخلية في طول البلاد وعرضها، مشيًا على الأقدام في بعض جوانب الرحلة، وعبر المواصلات في جوانبها الأخرى، وذلك بهدف ممارسة رياضة المشي، وللتعرّف على نحو حميم إلى تفاصيل البلاد، وإلى التمتع بطبيعتها الخلابة.
وسنلحظ أن السارد في الرواية الذي يستقبل صديقته حنان المقيمة في المهجر، القادمة إلى فلسطين لزيارة مدينة بيسان، مسقط رأس أبيها، يستذكر معها أيامهما حين كانا طالبين في الجامعة، ثم يتعهد بأن يأخذها إلى بيسان.
الجدير ذكره أن حنان ظهرت في رواية سابقة لصافي صافي هي "زرعين"، وفي هذه الرواية؛ زرعين، يلجأ الكاتب إلى الرحلة في البلاد لتقديم أحداث روايته.
2
مع هذه الرواية الجديدة تثور الأسئلة: لماذا حملت الرواية العنوان: عين التينة ولم تحمل عنوانًا دالًّا على الهدف الذي جاءت من أجله حنان، وهو مدينة بيسان؟ لماذا تحمّلت عين التينة التعبير عن مضمون الرواية وتركت بيسان للظهور في آخر الرحلة وفي آخر الرواية؟
ربما فعل المؤلف ذلك تاركًا الأمر لاجتهادات القراء ولتأويلاتهم، وربما جاء هذا العنوان بسبب الاصطدام المباشر مع المستوطنين الشباب الذين يستعدّون للالتحاق بجيش الاحتلال، وبسبب حرمان السارد وصديقته حنان ومن معهم من أفراد الرحلة من الوصول إلى رأس النبع الذي يغذي عين التينة، هذا الحرمان الذي ما زال حتى اليوم يمنع الفلسطينيين من الظفر بحريتهم وبعودتهم الى بيوتهم وقراهم ومدنهم التي شردوا منها تحت وابل من رصاص العدوان.
وربما كانت هناك مقاصد أخرى واجتهادات.
3
في كل الأحوال، يكتب د. صافي صافي روايته بعيدًا من الصيغ الجاهزة ومن الرؤى المعتادة المكرورة، ويحاول أثناء حوارات الغزل التي يوجّهها السارد إلى صديقته حنان استثمار قدرات اللغة العربية في تقديم المعنى الظاهري للمفردة وإبقاء المجال متاحًا لتقديم المعنى الموحى به في الوقت ذاته، ما يمنح المتلقي فرصة للتفاعل مع هذا الأسلوب الموارب في استخدام اللغة، ولتفعيل مخزون المفردات وإيحاءاتها لديه، ولمتابعة ما تفضي به الرواية من مشاهد حسية، ومن رؤى فكرية واجتهادات ذات صبغة صوفية.
4
تشتمل الرواية على أبعاد معرفية مستمدّة من ثقافة الكاتب، ومن الحوارات التي كانت تدور بين السارد وصديقته حنان، ومن الخبرات المكتسبة لبعض شخوص الرواية، ومن التراث الشعبي الفلسطيني، وتمتد هذه الأبعاد المعرفية لتصل إلى عنصر التوثيق الذي يستمدّ مادته من مصادر معروفة ليقدم للمتلقي المادة التي يقصد المؤلف توصيلها بالانسجام مع تفاصيل السرد في روايته، ما يجعل د. صافي صافي يتخذ من قدوم حنان لزيارة فلسطين ذريعة لتقديم رواية معرفية لا تنشغل بالحدث وبالحكاية قدر انشغالها بالمعرفة الخاصة بفلسطين، وقدر اهتمامها بدحض الرواية الصهيونية التي تبرّر احتلال فلسطين وتغيير ملامحها الأصلية التي لا تنجح في طمس الحقيقة.
5
حين تصل الرحلة منتهاها بالوصول إلى بيسان، لا يكترث السارد ولا تكترث حنان بالشوارع وبكل الإضافات العمرانية التي تهدف إلى تغيير الصورة الأساسية للمدينة الفلسطينية التي جرى احتلالها. كانت حنان تبحث في بيسان عن أبيها وجدّها وعن الذكريات التي كانت لهما هناك.
وكان القمع الاحتلالي هو الذي أوقع السارد وصديقته حنان وبقية فريق الرحلة في الاعتقال التعسفي، هذا الاعتقال الذي لم ينجح في فصم علاقة الحب التي تأكّدت بعد طول غياب بين الخارج الفلسطيني والداخل الفلسطيني، بين السارد وصديقته حنان في حضن المدينة الفلسطينية بيسان.
مواضيع ذات صلة
في الذكرى الأربعين: ماجد أبو غوش.. الأثر الذي لا يزول
في تأبين الشاعر ماجد أبو غوش...
اتحاد الكتاب والأدباء: معين بسيسو حنجرة غزة التي لا تموت
الهوية الفلسطينية في معرض القاهرة الدولي للكتاب.. حضور يتجدد عبر الكلمة والفن
أساتذة لغة عربية وتاريخ: طه حسين ظُلم في أزمة "الشعر الجاهلي"
حين تصبح الكتابة نجاة.. قراءة في كتاب "ذاكرة العدوان" لبيسان نتيل
"الشاعر في رؤى نفسية" لوحيدة حسين