"لا أكتب عن الحرب" ديوان الصمت والضجيج.. وليد الشيخ شاعر البساطة والصمت
مهيب البرغوثي

يكتب وليد الشيخ بصوفية شعرية عالية يخاف من صوت الرصاص أن يجرح الهواء ومن الجندي ان يقتل الوردة.
يلتقط الشاعر مفاتيح قصيدته بعين الحدس ويبحث عن كل جديد في فضائه الشاسع،يكتب عن الحرب حين يقول لا اريد ان اكتب عن الحرب، يكتب عن الضجيج رغم الصمت الذي يحيط به، يكتب وليد الشيخ طفولته وحبه أو عن الاجتماع الحزبي بكل هدوء.
شعره على الرغم من بساطته وسلاسته إلا انه عميق جدا بما يحمله من سكون وصمت. الصمتعند وليد،تسمع ضجيجه وانت تقرأ ديوانه الأخيرالصادر قبل ايام عن دار الأهلية في عمان"لا اكتب عن الحرب".
يرفع الشيخ من شأن قصيدة النثر أمام كل ما يحدث في العالم من موت يومي وتهجير قسري ونزوح نحو المجهول؛ ليعلي شأن الوطن بكل من ضحى بنفسهلأجله بصور شعرية وان كانت هذه الصور لا تظهر مباشرة. وليد الشيخ شاعر ماركسي يرى في الشعر وسيلة لتغيير العالم واكتشاف إنسانية الشجر.
وليد الشيخ شاعر الكلمات البسيطة، في "لا أكتب عن الحرب"، يقف امام قصيدته بحذر وخوف كأنه يسوق سيارته في حلكة الظلام في ارض وعرة، لا يعرف اين ستقوده. في قصيدة "حرية" يقول:
"سأغيب مثل نباتات موسمية
وأعود
لأعوي
مثل عاصفة دخلت مدينة مهجورة".
بلغة شعرية في غاية الرشاقة والوضوح يغوص الشاعر في اعماق الكلمات للبحث عن معنى اخر للوقوف ضد الحربوبلغة لا تخرج عن سياق شاعر حساس،خجول تجلس معه ساعات بالكاد تسمع له صوتا يتأمل يرى يكتب:
"الجثث
التي طال بقاؤها في العراء
تعبت من الاصوات والرماد والحرائق
وتريد أن تنام".
في قصيدة "احتجاج" يعلن وليد الشيخ احتجاجه:
"عادت
كسيل هادر من الجحيم
كأحلام مقطعة ومتروكة للنهش
غاضبة من التضامن ومن نشرت الاخبار".
لكل شاعر لغته، ولغة وليد الشيخ ليست نتيجة قرار، بل نتيجة الطبيعة. وما نقرأه في ديوانه الاخير "لا اكتب عن الحرب" هو رؤية مغايرة للكثير حول دور قصيدة النثر في الدفاع عن رؤية يحملها الشاعر في قول ما يريد حقيقة،لا نجد للشاعروليد الشيخ نفس اللغة دائما في دواوينه السابقة قد يختلف في رؤيته والان هو نفس الشاعر الذي رأى طفولته في ازقة المخيم وكبر معها وسافر مع تلك اللغة نحو البعيد.
يرى الشاعر ان كل ذلك جاء من العدم، ويكتب دون قرار مسبق. مثلا: لا يستعمل الوصف أويستخدمه قليلا جدا. ليس في علاقة تأمل ما، في النهاية، أحس أن الوصف يضعف القصيدة. كانه يريد ان يقول الشاعرتلكهي الكلمات تلك التي تبقى معلقة في الفضاء، لذلك يذهب وليد الى القصيدة مباشرة ليقول ما يريد ليس هناك نظريات في اللغة، يكتب بشكل طبيعي ما أمكنه ذلك، يذهبالى القصيدة تماما كأنه ذاهب الى السوبرماركت، لا يبحث الشيخ عن خلق الغموض، ويبتعد باكبر قدرعن الحماقات الصغيرة.
في قصيدة "كما يفعل بشر كثير ونفي التاريخ":
"وقفت على النافذة
كما يفعل بشر كثيرون في التاريخ
لكني لم أر شيئا
الجيوش التي دخلت المدينة تبخرت
الرايات المحروقة
ظلت الوانها ضجرة في السماء
حتى السماء لم ارها".
شاعر يحاول مصالحة العالم
يبحر الشيخ في اللغة ويبحث عن البساطة، والوضوح، عن الصمت الذي من خلاله يرى ويكتب لانه جعل اللغة تقول أكثر مما تريد، لقد حمل الكلمات حتى أطراف معانيها ومشى بها نحو البعيد نحو المدينة التي جاء منها قبل سنوات طويلة وسكنها وان بقي المخيم ومعنى اللجوء وتلك القرية المحتلة المهجرة من اهلها عام 48 "زكريا" ولم يزرها ولم يرها سوى في احاديث اهله، حملها في قلبه وجاء الى المدينة يحمل خيبات جيل كامل في النصر والحرية.
الشاعر متمرد بصمته، وان كان ضد كل ما هو قائم من انظمة قمعية، إنه مجدد لديه مهمة الدفاع عن اللغة وكأنه يقول مع الشاعرالتركي ناظم حكمت: "وضع الشاعر في الجنة فصاح آه يا وطني".
يكتب وليد الشيخ قصائده بروح المصالحة مع العالم، بل يكاد يقبله ليقبل تلك المصالحة ويحاول عدم القطيعة مع ما يحيطه، فتأتي قصيدته حقيقية كما في عنوان المجموعة في قصيدة "لا اكتب عن الحرب":
"لا أكتب عن الحرب
أكتب عن البنت التي ظنت أن كل ذلك
كان حلما
البنت التي سألت الأطباء عن ذراعها
الجيران عن أمها
وسألت الله
بإلحاح بائسٍ
عن السبب"
مواضيع ذات صلة
في الذكرى الأربعين: ماجد أبو غوش.. الأثر الذي لا يزول
في تأبين الشاعر ماجد أبو غوش...
اتحاد الكتاب والأدباء: معين بسيسو حنجرة غزة التي لا تموت
الهوية الفلسطينية في معرض القاهرة الدولي للكتاب.. حضور يتجدد عبر الكلمة والفن
أساتذة لغة عربية وتاريخ: طه حسين ظُلم في أزمة "الشعر الجاهلي"
حين تصبح الكتابة نجاة.. قراءة في كتاب "ذاكرة العدوان" لبيسان نتيل
"الشاعر في رؤى نفسية" لوحيدة حسين