الغزيون يخاطرون بحياتهم للحصول على "الذهب الأبيض"

غزة- الحياة الجديدة- عبد الهادي عوكل- من جديد يعود مشهد انتظار مئات آلاف الغزيين الجوعى من الفتية والشبان والرجال والشيوخ والنساء شاحنات المساعدات المحملة بالطحين يوميا عند مفترق النابلسي جنوب غرب مدينة غزة أو على طريق شارع الرشيد جنوب القطاع، على أمل العودة لأبنائهم بكيس من (الذهب الأبيض) ليسد جوعهم، رغم المخاطر الكبيرة التي يتعرضون لها من قبل الاحتلال الإسرائيلي من جهة، ومن عصابات اللصوص من جهة أخرى.
يشار إلى أن الاحتلال الإسرائيلي اعتمد مراكز تحت سيطرته لتوزيع المساعدات في محافظة رفح جنوبا، ومحور "نتساريم" وسط القطاع، من خلال شركة يقول الاحتلال إنها أميركية، وطريقة أخرى من خلال السماح للشاحنات بالمرور عبر شارع الرشيد من الجنوب وحتى الشمال ويرفض أن يتم تأمينها لتصل مخازن برنامج الغذاء العالمي، ويسمح للمواطنين بأخذ ما على الشاحنات من طحين.
وما إن تصل تلك الشاحنات، ينقض عليها المواطنون الجوعى كالأسود لالتهام كل واحد منهم فريسته والعودة لأطفاله بـ "الذهب الأبيض" لسد جوعهم الذي نهش أجسادهم وأصابهم بالإعياء وسوء التغذية وانخفاض الوزن وبعضهم بمرض الريقان خاصة الأطفال وغيرها من علامات الجوع.
وغالبا ما يسبق وصول الشاحنات أو تزامنا مع وصولها إطلاق نار من قبل آليات الاحتلال العسكرية، سواء كانت طائرات مسيرة (كواد كابتر)، ويسقط شهداء بالعشرات وإصابات بالمئات يوميا.
لكن المواطنين الجوعى يصرون على البقاء مخاطرين بحياتهم ومنهم من يعود بالكفن الأبيض بدلا من الكيس الأبيض (الطحين)، حتى إن من يستشهد أو يصاب لا يلتفت إليه أحد في حينها نظرا لأن الظلام الدامس يغطي على المواطنين من جهة، والهدف الذي جاءت من أجله الحشود الغفيرة وهو العودة بالطحين لأبنائهم.
حالة التدافع الكبيرة أشبه ما تكون بنفرة الحجاج من جبل عرفات، أو بالطواف حول البيت العتيق، وهو ما يتسبب بإصابات بالاختناق للكثيرين اضافة الى وفاة آخرين يوميا، ومع ذلك يصر المواطنون على الذهاب يوميا من ساعات المساء حتى وصول الشاحنات الى مفترق النابلسي جنوب مدينة غزة وقرب محور "نتساريم" على شارع الرشيد.
وتحدث شبان لـ "الحياة الجديدة"، جاءوا إلى منطقة فندق المشتل على شاطئ بحر شمال قطاع غزة، وهم يحملون أسلحة بيضاء (سكاكين وجنازير وعصي) ويستقلون سيارة من نوع "فلوكس واجن". وقالوا إنهم جاءوا إلى هذا المكان لأن لديهم معلومات مؤكدة بأن الشاحنات ستمر من هذه الطريق لأول مرة بدلا من مفترق النابلسي، وهدفهم هو العودة لأبنائهم بكيس الطحين الذي لم يأكلوه منذ أكثر من شهر ونصف الشهر، وأبناءهم جوعى وهم لا يملكون المال لشراء الطحين بأسعار خيالية حيث يصل سعر الكيس الواحد (25 كيلوغراما) الى أكثر من ثلاثة آلاف شيقل، علما أن سعره الطبيعي لا يتجاوز الـ 30 شيقلا.
وعن سبب تجمعهم مع بعضهم البعض بأسلحة بيضاء، قال أحد الشبان: نحن مجموعة من الأقارب وهدفنا من حمل هذا السلاح الأبيض هو حماية ما سنأخذه من الطحين من اللصوص وقطاع الطرق الذين يقفون في الشوارع التي سيمرون منها ويحملون أسلحة ويجبرون الكثير من المواطنين على ترك ما جلبوه.
وأضاف أن كثيرا من المواطنين اضطروا الى ترك كيس الطحين لهم وعادوا لأبنائهم فارغي اليدين والحسرة والألم تقتلهم من هؤلاء اللصوص الذين يصادرون الطحين وأي مساعدات من المواطنين ويقومون ببيعها في الأسواق بأسعار خيالية.
وقال شاب آخر رفض ذكر اسمه، بأنه تعرض للسرقة قبل أيام وهو عائد من مفترق النابلسي وكان يحمل كيس طحين، والفرحة لم تسعه، لأنه أخيرا سيأكل الخبز، لكنها فرحة لم تتم، لان مجموعة من اللصوص كانت تختبئ في منازل مقصوفة بمنطقة تل الهوى انقضت عليه وعلى مجموعة مواطنين آخرين بالأسلحة (مسدسات وكلاشينات) وأجبروهم على ترك ما بأيديهم من دقيق، وفعلوا ولم يستطيعوا ان يقاوموا، وعادو لأبنائهم مكسوري الخاطر.
وأضاف، أن تكرار هذا المشهد منذ استئناف دخول الشاحنات والمساعدات وعدم توزيعها بشكل عادل على المواطنين، اجبر مئات آلاف الغزيين على انتظار الشاحنات طوال ساعات الليل، والغالبية أصبحوا يشكلون مجموعات لحماية ما يحصلون عليه من اللصوص ومن لم يفعل فغالبا ما يتعرض للنهب والسلب.
وفي ذات السياق، كانت مجموعة من النسوة يجلسن على منطقة مرتفعة بانتظار الشاحنات للهدف ذاته، تحدثت احداهن لـ "الحياة الجديدة" بأن ظروفها قاسية ولا تملك المال لشراء الطحين لأبنائها الاربعة الذين استشهد والدهم خلال الحرب، والظروف قاسية على الجميع ومن لم يبادر ويجلب لقمة أبنائه فلن يساعده أحد لأن الجميع بحاجة للمساعدة.
وتابعت وهي تتنهد، بأنها لم تلمس الطحين بيديها منذ أكثر من شهر، وانها تموت يوميا ألف مرة على حال أبنائها الذين انهكهم الجوع وانخفضت أوزانهم واصبحوا كالهياكل العظمية، وكل أكلهم منذ شهرين العدس والأرز من التكيات.
الجدير ذكره، أن شمال غزة تعرض العام الماضي لمجاعة كبيرة جدا حيث استشهد عشرات الأطفال جوعا بسبب رفض الاحتلال آنذاك ادخال المساعدات الى من يقوا في الشمال ورفضوا النزوح جنوب القطاع استجابة لأوامر الاحتلال، وعندما بدأ الاحتلال بادخال المساعدات بعد ان بلغت المجاعة ذروتها، ترك الشاحنات تدخل للشمال بنفس الطريقة التي تسير اليوم، وهو ما دفع سكان الشمال للتوجه لدوار النابلسي ودوار الكويت واستشهد مئات المواطنين من أجل كيس الدقيق.
يشار إلى أن الاحتلال الإسرائيلي فرض إغلاقا للمعابر أمام دخول المساعدات لقطاع غزة منذ مطلع شهر آذار الماضي، وهو ما أدى إلى صعوبة الأوضاع الانسانية بسبب الجوع، وعاد الاحتلال بعد ضغط دولي بإدخال المساعدات ولكن بطريقة إذلال للمواطنين حيث خصص مركزين للتوزيع في رفح جنوب قطاع غزة وهي منطقة يسيطر عليها جيش الاحتلال بشكل كامل، ومنطقة محور "نتساريم" وسط قطاع غزة، ولكن هذه المراكز قوبلت برفض شعبي كبير، لكن المجاعة أجبرت عشرات الآلاف على الذهاب لاستلام المساعدات من الشركة الأميركية، حيث استشهد أكثر من 130 مواطنا منذ تاريخ 27 أيار الماضي وهو اليوم الذي بدأ فيه الاحتلال بفتح مراكز لتوزيع المساعدات، فيما أصيب المئات، أثناء محاولتهم الحصول على المساعدات.
مواضيع ذات صلة
الاحتلال يمنع المقدسيين من الصلاة في شارع صلاح الدين
إصابات جراء غارات وقصف مدفعي للاحتلال على جنوب لبنان
قوات الاحتلال تقتحم بلدتي الزاوية وياسوف في سلفيت
إصابة طفلين برصاص الاحتلال شرق مخيم المغازي وسط غزة
النفط يتراجع ويتجه نحو تسجيل أكبر خسارة أسبوعية في 6 أشهر
قوات الاحتلال تعتقل شابا من عنبتا شرق طولكرم
الذهب يرتفع لكنه في طريقه لتكبد خسائر للأسبوع الرابع