من قال إن النجاة حياة؟
قناديل- د. ولاء بطاط

إلى ورد...
إلى زهرة نبتت في رماد الموت
إلى جرح نازف في قلوبنا، مهما تناوبت عليه الأيام وتهادت معه الآمال،
إلى ورد، الطفلة التي صرخت ببراءتها في وجه العالم، فخذلتها ضمائر البشر.
في يوم ليس جميلاً، ولا يحمل من السكينة شيئا، في مكانٍ لا يشبه سوى الجحيم، حيث لا مأوى إلا الفرار من موتٍ يطارد الأرواح، كانت ورد هناك.. طفلة لا تعرف من الطفولة إلا اسمها، تعيش مع والديها وإخوتها الخمسة في نزوحٍ قاس، لا ماء فيه ولا خبز، لا دفء ولا مأمن، فقط الجوع، والبرد، والحسرة، والانتظار الثقيل.
نامت ورد ليلتها كأي ليلة من ليالي غزة المثقلة بالخوف، تتوسد صدر أمها، وتتحصن بدفء أبيها، وتحلم- كما كل الأطفال- بغدٍ أقلّ قسوة، علّه يحمل هدنة مؤقتة تعيدهم إلى بيتهم، إلى حياةٍ عاديةٍ تحت سقفٍ يجمعهم على مائدة دافئة مليئة بما لذّ وطاب، مائدة لم يعرفوا أنها ستكون حلم قبل الرحيل.
نامت ورد، حالمةً بوعد أمها: "غدا سيكون أفضل"
لكنها استيقظت لا على الفجر، بل على ألسنة لهبٍ تقتلع الحياة، وعلى صوت صاروخٍ حول المدرسة – التي اتخذوها مأوىً مؤقتا – إلى رماد.
ركضت ورد.. لا لتلعب، بل لتحيا.
ركضت بين جثث إخوتها، وأشلاء أمها، وصرخات من حولها تذوب بنيران لا ترحم.
طفلةٌ لم تُكمل عامها الخامس، تسير على الجمر، تتخبط بين الأشلاء، وتقاوم الموت بقدمين صغيرتين وقلبٍ مذعور.
ما الجريمة يا ورد؟
أهي الطفولة التي سكنت عينيك؟
أم البراءة التي أرهقت قلوبنا؟
أم أنك وُلدت في أرضٍ يحاصرها موتٌ لا يشبع، واحتلال لا يعرف للرحمة سبيلًا؟
أم أن ذنبكِ الوحيد أنكِ وُلدتِ في زمنٍ امتلأ بالادعاءات؟
زمنٌ يعلو فيه الصراخ باسم القوانين الدولية، بينما تُنتهك حقوق الإنسان جهارا دون رادع
في زمنٍ تُقتل فيه الطفولة، ويُجوّع فيه الأبرياء، وتُسلب الحقوق بلا خجل،
ذنبكِ يا صغيرتي أنكِ ابنة لأرضٍ تُحاسَب لا لذنب اقترفته، بل لأنها تجرأت أن تطالب بحقوقها.
أرضٌ تُسحق تحت أقدام الازدواجية، ويُمارَس عليها الظلم كل يوم، بينما يتحدثون عن العدالة، وينسونكِ أنتِ، ومن يشبهونكِ.
لكن... لا بأس.
نجوتِ، وهذا يكفي الآن.
أما العالم، فلا يزال غارقا في وحل خيانته للطفولة، للعدالة، وللإنسانية ذاتها
نجوتِ، نعم، لكن من قال إن النجاة حياة؟
من قال إنك ستنجين من ذاكرة ستُلاحقك ما حييت؟
كيف لطفلةٍ صغيرة أن تُكمل الحياة بعد أن رأت أمها تحترق أمامها؟
كيف للعب أن يعود بعد أن صار إخوتها، شركاء الضحكة، أشلاءً على الأرض؟
إلى ورد، وأنتِ تمشين وسط اللهب، كنتِ تمشين على قلوبنا، تقتلعينها من صدورنا .
وكنّا نُراقبك كمن يرقب مشهدًا خرج من أفظع كوابيس البشر، لا يقدر على تصوّره عقل، ولا تحتمله روح.
وحين وصلنا خبر نجاتك، بكينا... لأننا عرفنا أن من عاش ما عشتيه، لن ينجو حقًّا.
إلى ورد،
أنتِ بطلة لا تُشبِه بطلات القصص،
أنتِ الحقيقة المدوّية في وجه الزيف،
أنتِ الصوت النقيّ في زمنٍ فقد إنسانيته،
وأنتِ، كما كل أطفال فلسطين، خنجر في ضمير عالمٍ أعمته المصالح، وأصمّه الجبن.
مواضيع ذات صلة
"نزع السلاح".. بين المناورات والذرائع!
المجالس المجتمعية.. حين تتحول الفكرة إلى نهج وطني فاعل
تعديل قانون انتخاب الهيئات المحلية.. إعادة ضبط البوصلة الوطنية أم تحصين متأخر؟
مستوطنات لتفريخ الارهاب!
نظام دولي قديم يتفكك وآخر جديد آخذ بالتبلور
الهند والجنوب العالمي
انتهت صلاحية "الجماعة".. ولكن ماذا عن الحرب الدينية؟!