"لا تقتل عصفورا ساخرا" وإعادة تشكيل الوعي
مهيب البرغوثي

"لا تقتل عصفورا ساخرا" رواية للكاتبة الأميركية هاربر لي، تقدم مفهوماً خارج هذه الحياة في فترة ثلاثينيات القرن العشرين، حيث تتحدث عن الوعي حين يكون مرتبطا بلحظة راهنة أو ماضية، رغم مرور زمن على صدورها، فهي لا تزال تبحث عن إجابة لأسئلة متصلة بالوعي العام والفردي، ليس في اميركا فحسب، بل في كل زمان ومكان، ففي المجتمعات المتحضرة عملية قتل عصفور مغرد تعد جريمة مثلها مثل قتل أي إنسان، بينما عنا تتم إبادة شعب كامل دون ان تعتبر جريمة، بل تدرج ضمن باب الدفاع عن النفس.
الرواية تجاوزت قضية التفرقة العنصرية، حيث ذهبت الكاتبة الى منطقة ابعد من ذلك، حين تحدثت عن الوجه الآخر للقيم المضادة التي تمثلت في أهمية التمسك بالحق والعدل والمساواة في مواجهة الظلم والاستعباد، وبهذا المعنى تحدثت الرواية عن مأزق اللامعنى والعبثية، حيث تولد في إطار سياق اجتماعي معين مثل الاضطهاد العرقي للسود في أميركا.
مما جعل من هذا العمل قيمة لها ملامح خاصة، بوصفه جنسا أدبيا له حضوره المتميز، والرواية بالمجمل تعيد تشكيل الوعي بالأشياء التي حولنا، مما يجعلنا نعيد تشكيل وجوده في هذا العالم الواسع وموقعنا كأفراد، ونحاول تغييره، وهذا التغيير قدمته الروائية في سياق فني، وبناء معماري يظل مؤثرا لمعاينة الماضي والآني في لحظة واحدة.
تقول في روايتها لي: "تمتعت بأني آسفة وجلست إلى مكاني وأنا أفكر في جريمتي. أنا لم أتعلم القراءة عمدا، ولكني نوعا ما كنت أتخبط متعثرة وعلى نحو محظور في الجرائد اليومية. هل تعلمت يا ترى في الساعات الطويلة في الكنيسة؟ لم أستطع أن أتذكر أني كنت يوما غير قادرة على قراءة التراتيل. والآن بما أني كنت مضطرة إلى التفكير بالموضوع، فإني أعتقد أن القراءة أمر أتاني هكذا، تعلمتها كما تعلمت أن أزرر قاعدة سروالي الداخلي الشتوي الطويل دون أن أنظر إلى الخلف، أو أن أربط سير حذائي صانعة منه عقدة ذات قوسين. لا أستطيع أن أتذكر متى بدأت الأسطر التي كانت فوق أصبع أتيكوس".
ولدت المؤلفة "هاربر لي" في بلدة "مونروفيل" من ولاية ألاباما عام 1926، ودرست في المدارس العامة المحلية وجامعة ألاباما، وقبل أن تبدأ بالكتابة عملت في قسم الحجز في شركة طيران عالمية. أما اهتماماتها إلى جانب الكتابة فهي لعبة الغولف والموسيقى، وعلم الإجرام وتجميع مذكرات رجال الدين من القرن التاسع عشر.
مواضيع ذات صلة
في الذكرى الأربعين: ماجد أبو غوش.. الأثر الذي لا يزول
في تأبين الشاعر ماجد أبو غوش...
اتحاد الكتاب والأدباء: معين بسيسو حنجرة غزة التي لا تموت
الهوية الفلسطينية في معرض القاهرة الدولي للكتاب.. حضور يتجدد عبر الكلمة والفن
أساتذة لغة عربية وتاريخ: طه حسين ظُلم في أزمة "الشعر الجاهلي"
حين تصبح الكتابة نجاة.. قراءة في كتاب "ذاكرة العدوان" لبيسان نتيل
"الشاعر في رؤى نفسية" لوحيدة حسين