من صرعة إلى قلنديا.. الحاجة مريم تروي وجع قرن من نكبة لم تنته
رحلة أمّ لم تجد الطريق إلى البيت

مخيم قلنديا– الحياة الجديدة- عبير البرغوثي- في غرفة متواضعة داخل أزقة مخيم قلنديا شمال مدينة القدس المحتلة، تجلس الحاجة مريم عبدالله محمود أبولطيفة، أو كما يعرفها جيرانها بـ"أم ياسين"، تحيط بها صور أبنائها وأحفادها السبعة، وتحمل بين يديها ذاكرة قرن كامل، كتبت سطوره على تراب قرية صرعة المهجرة.
الحاجة مريم، التي أكملت عامها المئة هذا العام، لم تغادر فلسطين يوما، لكنها لم تعد إلى قريتها التي هجرت منها قبل 77 عاما، في نكبة عام 1948. عاشت التهجير، والنكسة، والخيام، والمنفى داخل الوطن. وما زالت حتى اليوم تتذكر بيتها، كأنها خرجت منه بالأمس.
"كانت حياتنا طبيعية قبل التهجير، نملك أراضي، نزرع ونقلع، وعايشين في نعيم الرحمن"، تقول الحاجة مريم، وهي تعود بذاكرتها إلى قريتها الجميلة الواقعة إلى الغرب من القدس، حيث الأرض الخصبة، وأشجار الزيتون، ونبع الماء الذي لم تجف ذكراه بعد.
لكن تلك الحياة لم تدم طويلا، فمع اقتراب نكبة عام 1948، بدأ الخوف يتسلل إلى القرية. "بدأ اليهود بالدخول الى القرية ليلا، والمدن والبلدات تسقط واحدة تلو الأخرى.. أولها يافا، ثم الرملة واللد، وكل يوم نسمع أخبارا حول أهالي قرى فلسطينية هجروا وقتلوا"، تروي بصوت خافت، تخنقه العبرات.
ليل النكبة... لا يزال حاضرا
في إحدى الليالي، جاء من يخبر أهل قرية صرعة أن يخرجوا فورا من بيوتهم، وتتابع: "طلعنا وما معنا حتى كواشين (شهادات الميلاد)، خرجنا نمشي في الكروم والجبال، نحمل أولادنا ونبحث على الأمان.. زوجي توفي خلال التهجير، وصرت أنا مسؤولة عن سبعة أولاد".
لم تحمل الحاجة مريم مفتاح منزلها معها، لكنها لم تنس البيت الذي هدم أمام عينيها. خلال رحلتهم الطويلة، مروا على قرى ومدن عديدة: بيت نتيف، بيت لحم، أريحا، واستقر بهم الحال في مخيم قلنديا، حيث أقيمت أولى خيام اللاجئين بإشراف وكالة "الأونروا".
"أنا زعلانة على بيتي في صرعة، وعلى المفتاح اللي ضاع وإحنا ننتقل من مكان لمكان"، تقول وهي تنظر من نافذتها الصغيرة، كأنها تبحث عن تلك القرية التي لم ترها منذ عقود، لكنها لم تخرج يوما من قلبها.
صرعة.. قرية هجرت وبقيت في الذاكرة
قرية صرعة التي ولدت فيها مريم، كانت تقع على بعد نحو 27 كيلومترا إلى الغرب من القدس المحتلة، في موقع مرتفع يطل على وادي الصرار. كانت مشهورة بأراضيها الزراعية ومياهها، ويعيش فيها مئات الفلسطينيين. في عام 1948، هجر الاحتلال الإسرائيلي سكانها، وأقيمت لاحقا على أنقاضها مستوطنات إسرائيلية، مثل "تسور هداسا" و"نيس هاريم".
اليوم، لم يتبق من الصرعة سوى أطلال حجارة قديمة بين الأشجار، وذاكرة من تبقى من أبنائها، أمثال الحاجة مريم، التي تقول: "أنا اليوم عمري 100 سنة، وما زلت أردد: الواحد ما اله غنى عن بلده... اللي ما عاش في بلده ما رح يرتاح".
تختم مريم قصتها بنداء لا يشبه سوى صوت أم فقدت أبناءها: "أنا أدعو الله أن نعود لبلادنا، ومعنا أولادي وأحفادي، ونعيش ونموت في ترابنا. حزينة على كل من ماتوا من الأهل والأقارب، وعلى بلادنا التي هجرنا منها، "العودة حق، وليست حلما" تقول الحاجة مريم.
مواضيع ذات صلة
تصاعد الانتهاكات بحق الصحفيين الفلسطينيين خلال الشهر الماضي
غزة: آلاف يشاركون في وقفة لدعم الأونروا ورفض المساس بموظفيها
فرنسا: القرارات الإسرائيلية بشأن الضفة انتهاك جسيم لحل الدولتين
الهباش ومدير هيئة حقوق الإنسان في منظمة التعاون الإسلامي يبحثان سبل تعزيز التعاون
صيدم يبحث التطورات السياسية والإنسانية مع ممثلي الاتحاد الأوروبي وألمانيا
الاحتلال يعتقل شابين من القدس