مخيم الفارعة.. غاب شهود النكبة وبقيت رواياتهم

طوباس-الحياة الجديدة-عبد الباسط خلف- تسكن في ذاكرة السبعيني نافز جوابرة عشرات قصص الشهود على النكبة في مخيم الفارعة، جنوب طوباس، التي شارك في جمعها طوال 6 سنوات.
ويشعر العضو السابق في اللجنة الشعبية للخدمات في مخيمه بخسارة كبيرة، إذ رحل الجيل الأول الذي عاش النكبة وذاق مرارة الاقتلاع.
ويقول بصوت ممزوج بالحسرة، إنه كان الساعد الأيمن في تنفيذ برنامج "ذاكرة لا تصدأ" التوثيقي، الذي أطلقته وزارة الإعلام سابقًا بالشراكة مع اللجنة الشعبية، وجمع نحو 150 قصة وراوية شفوية لرجال ونساء عاصروا نكبة عام 1948.
وينحدر جوابرة، من قرية بعلين المدمرة، في أقصى الشمال الشرقي من قضاء غزة وعلى بعد 51 كيلو مترًا من المدينة، وولد بعد عامين من إجبار عائلته على مغادرة منزلها واللجوء إلى مخيم الفارعة.
شواهد وشهود
ويستذكر أستاذ الرياضيات المتقاعد، أسماء البلدات والقرى التي وثق قصص أهلها، رفقة وزارة الإعلام، بين أعوام 2013 و2019، كبيسان ويافا وقراها، وبلدة الفالوجة وقرى حيفا خاصة الكفرين وأم الزينات وصبارين والريحانية، وبلدات طولكرم كقاقون، وغيرها.
والخسارة الثقيلة، كما يصفها، أن أحمد صالح أبو سريس، أحد آخر الأجيال الشاهدة على النكبة يعاني اليوم المرض، ويعجز عن إعادة استرداد أحداث قريته، المتاخمة لحيفا، كما كان يفعل كل ذكرى نكبة.
ويحتفظ جوابرة بأرشيف "ذاكرة لا تصدأ" ويعيد قراءة الرواية الشفوية لأبي سريس، المولود في الكفرين عام 1938.
ويفيد بأن رفيقه تحدث قبل 13 عامًا بإسهاب عن يوسف زكي الذي كان يعمل منادياً للكفرين، ويحمل الأخبار مثل الصحافيين اليوم، إلى القرى المجاورة لإبلاغهم بالأحداث الاجتماعية، كالمواليد والأعراس وحالات الوفاة، وكان يحصل على أجر وهدايا من الأهالي.
كما وصف أفراح قريته، فقد كانت الكلمة الأولى والأخيرة للأهل وليس للعروسين، الذين يمنع عليهم اللقاء، طوال الخطوبة إلا في يوم الزفاف، وكان المهر لا يتجاوز المئة جنيه بين الأقارب، و150 للغرباء. وتسبق التعليلة العرس عدة ليالي( بين ثلاث إلى سبع)، وفيها تُضاء المشاعل، وتُشعّل النيران، و تُجهز الدبكة الشعبية، وأشهر من عُرف بها محمد محمود أبو علي( أبو كمال)، وأمين أبو لبادة.
مثلما كان الأهالي يعدون حفل وداع للحجاج، ويدفع الرجال نقوطاً لهم، وفي المقابل يحضر المسافر هدية من بيت الله الحرام لهم، وكانوا يسافرون إلى حيفا، ثم يركبون بالسفينة حتى ينتقلوا من البحر الأبيض إلى البحر الأحمر، فمكة والمدينة، ويعودون في حالة صعبة وتعب شديد. وتتشارك كل مجموعة من الجيران في هدية واحدة للحاج.
84 وجعا
ويبين جوابرة بأن أهالي "الفارعة" نزحوا من 84 مدينة وقرية وبلدة دمرت كلها عن بكرة أبيها عام 1948، لكن غالبيتها من شمال فلسطين، ويتوزع الجزء الأصغر على الوسط والجنوب.
ويرسم مشهدا لحالة التداخل التي يعيشها المخيم، فجيرانه من الجهات الأربع ينحدرون من مدينة يافا كعائلة تيم، أو من الريحانة وأم الزينات المجاورة لحيفا مثل أسرة صبح، ومن قريته بعلين، ورفاق دربه من الكفرين.
ومما لا يسقط من ذاكرة جوابرة، الرواية المرئية لزوجة عمه ووالدة زوجته، الراحلة زينب حسن جوابرة، التي ولدت عام 1942، وأعادت بناء بيت جدها المختار جبر حسن، والمكون من غرف متجاورة من الطين مسقوفة من القصب، ووسطه ساحة كبيرة، وسكنته أربع عائلات، وقبل وقت قصير من النكبة رممته العائلة الممتدة، وتجتمع على مائدة واحدة، في منزل تعلوه عدة أقواس. فيما كان الرجال يتسامرون في الديوان، وليس ببعيد منه خصص المختار مربطاً لخيول ضيوفه.
وتبعا للراوية الراحلة، فقد كانت، شائعة قبل النكبة عادة "التعزيب" في كروم العنب، إذ يذهب الرجال والنساء لقطف محاصيلهم، ويصنعون المربى والدبس والملبن، فيما يتركون سيدة واحدة في المنزل لتحضير وجبة الطعام، وبخاصة من الزغاليل المحشوة بالفريكة، واللحاق بعهم بعد تجهيزها.
بانوراما
ويتابع جوابرة، أن الروايات الشفوية، التي شارك في جمعها، أعادت بناء القرى المدمرة بكل تفاصيل، وتحدثت عن كل شيء فيها، وأصبحت اليوم "وثيقة" للأجيال الصاعدة.
وينهي أنه عرف من والديه قصة بعلين المدمرة بكل تفاصيلها، ثم نقل له الشهود الراحلين أزياء القرى المسلوبة، ومدارسها ومعلميها، وبيوتها وأزقتها، ودكاكينها، وأصحاب مهنها، وأعراسها وأحزانها، ومواسم رمضان، ووداع الحجاج واستقبالهم، والأعياد، والأسواق، والمحاصيل، وينابيع المياه، وألعاب الأطفال وأغنياتهم، ولحظات الاقتلاع.
بدوره، يؤكد رئيس اللجنة الشعبية للخدمات في "الفارعة"، عاصم منصور، أن اللجنة أطلقت خلال انتفاضة عام 1987 أسماء المدن والقرى المدمرة على طرقات المخيم، وثبتوها على لافتات معدنية، لتظل حية في الذاكرة.
ويرى بأن الأجيال التي عاصرت النكبة غيب الموت معظمها، لكنها نقلت إلى الأبناء والأحفاد مرارة النكبة ووجعها قبل الرحيل، وعبرت لهم عن الحنين الذي ظل مشتعلًا للقرى التي أجبروا على الاقتلاع منها، ولم يكفوا عن أحلام العودة إليها.
محن
ويؤكد بأن المخيم تعرض لمحطات صعبة، ففي حزيران 1967 تركت أعداد كبيرة "الفارعة"، وتقلص عدد أهله، فقد كانوا وقتها 12 ألفا، لكنهم اليوم قرابة 8 آلاف تعرضوا مطلع العام الحالي لعدوان كبير، وأجبروا مرة أخرى على النزوح عدة أيام.
وحسب منصور، فإن الكفرين هي القرية الأكثر تمثيلا في المخيم اليوم، الذي استضاف أيضا مئات النازحين من جنوب فلسطين خاصة قرى قضاء غزة كالفالوجة وبعلين وشحمة، ولكن بأعداد أقل.
ويشير إلى أن اللجنة وضعت نصبا حجريا نقشت عليه المدن والقرى والبلدات المدمرة، وعددها 84، التي أقامت عائلتها في المخيم، لكن عمليات التجريف والتدمير خلال الاجتياحات المتكررة دمرته.
مواضيع ذات صلة
ضجة وشائعات "تنهش" لحوم جنين
صرخات أمهات الأسرى.. شاهدة على مأساة إنسانية متفاقمة خلف جدران السجون
الرئيس يصل النرويج في زيارة رسمية
تصاعد الانتهاكات بحق الصحفيين الفلسطينيين خلال الشهر الماضي
غزة: آلاف يشاركون في وقفة لدعم الأونروا ورفض المساس بموظفيها
فرنسا: القرارات الإسرائيلية بشأن الضفة انتهاك جسيم لحل الدولتين