عاجل

الرئيسية » عناوين الأخبار » تقارير خاصة »
تاريخ النشر: 04 أيار 2025

عماد أبو زهرة.. أول شهداء الحقيقة في جنين

 

جنين-الحياة الجديدة- عبد الباسط خلف- استردت السبعينية هيام عبد العفو أبو زهرة، على ضفاف اليوم العالمي لحرية الصحافة سيرة ابنها عماد، أول حراس الحقيقة الشهداء في جنين.

واستذكرت مقاطع من طفولة نجلها، الذي حفظ في سنوات مبكرة عواصم العالم، وتأثر بوالده صبحي، أستاذ اللغة الإنجليزية البارع، وصار يكرر العديد من الجمل والتراكيب والمفردات الأجنبية التي يسمعها.

وقالت إن حزنها على عماد يتجدد في الكثير من المناسبات، وخاصة عندما تسمع عن ارتقاء إعلاميين أو إصابتهم أو اعتقالهم، وكلما تشاهد أخبارًا ينقلها رفاق مهنة المتاعب لابنها الغائب.

 

ميلاد ورحيل

واستعادت أبو زهرة يوم ميلاد ابنها البكر في 12 تموز 1967، بعد أيام من احتلال المدينة، وهو التاريخ الحزين ذاته الذي ارتقى فيه عام 2002، عند دوار جنين الرئيس، عقب إصابته برصاصة في شريان بالفخذ الأيسر، تركته ينزف حتى أنفاسه الأخيرة.

ووفق الأم المكلومة، فقد نال عماد تعليمه الأساسي والثانوي في 3 مدارس في جنين، ودرس الصحافة والإعلام في جامعة بيرزيت، وأسس أول صحيفة محلية حملت اسم (جنين)، كانت تتابع أخبارها وتستضيف كتابها وتلاحق همومها.

وتوقفت عند أول عدد مميز من صحيفة ابنها، فقد حرص أن يجمع مقالات من عائلته فكتب والده عن مطالب المعلمين، وتحدثت أمه عن ذكرى المولد النبوي الشريف واحتفالات جنين به، وعالجت شقيقته آلاء أخصائية التجميل قضايا البشرة، واستكتب معلمين ومؤرخ وشاعر عبروا فيها عن حب المدينة، واستحضروا نخيلها ومساجدها وطواحين مياهها وتاريخها.

وأضافت أن فلذة كبدها أخبرها بأنه سيكرس صحيفته المحلية لتطوير المدينة التي ولد فيها، لكن الجريدة توقفت عن الصدور بعد أعداد قليلة، وحمل شعارها نخيل جنين وطواحينها، وكانت له زاوية أطلق عليها (مناقيش).

 

محاكمة صورية

وتابعت أن ابنها عمل مصورا مستقلا، وكان يستعد للسفر إلى المملكة المتحدة للعمل مع هيئة الإذاعة البريطانية، ولإكمال دراسته العليا في الصحافة بجامعة (مانشستر)، ولم يمهله رصاص الاحتلال إتمام مراسم خطوبته على فتاة أحلامه المقدسية.

ولا تنسى أبو زهرة رد محكمة الاحتلال على دعوى العائلة ضد قتل ابنها، فقد منعت الأسرة من الوصول إلى مقر المحكمة، ولم يصدر الاحتلال تصاريح دخول لها لتقديم شهادتها، ورغم ذلك غرمت العائلة بـ 200 ألف شيقل؛ لعدم الحضور، وادعت المحكمة بأن عماد قتل برصاص فلسطيني، وليس من طلقات مجنزرة احتلالية وثقتها وسائل الإعلام!

وعماد الابن الأكبر في أسرته، بجوار التوأم إياد وجهاد المقيم في رام الله، ثم جواد المغترب في ألمانيا ومحمد العامل في الإمارات، ومجيد الرحمن، وآلاء في السعودية، ودعاء في أوروبا.

ورسمت الأم صورة لعماد، فقالت إنه كان حنطي البشرة، وصاحب شعر ناعم، ومحبا للتراث وعاشقا للبيوت العتيقة في مدينته، وحرص على مساعدة والدته في المنزل، وشعر بالمسؤولية في سن مبكرة، وواظب على تعليم إخوته صون النعمة وعدم إلقاء الطعام الزائد في القمامة وتناوله في اليوم التالي.

 

وصية وتراث

وحملت أبو زهرة وصية ابنها، الذي أقنعها بتأسيس جمعية نسوية مختصة بالتراث الشعبي، وفتش لها عن بيت عتيق في قلب جنين القديمة لترميمه وتدشين جمعية تراثية فيه.

وأكدت أنها لا تبكي ابنها، بل تنقل خلال زياراتها المتكررة لقبره أحداث المدينة وتطورات الجمعية التي كان يحلم بها، وأنه حينما كان يشاهدها وهي تمارس هواياتها ببراعة في صناعة الأشغال اليدوية والوجبات التراثية، كان يلح عليها تطوير عملها، ويتمنى عليها نقل مواهبها إلى نساء جنين، خشية اندثار هذه التفاصيل.

وقالت أبو زهرة، التي أبصرت النور في جنين منتصف آذار 1947: واصل الإلحاح لتسجيل الجمعية النسائية الثقافية للتراث الشعبي، وترميم بيت مهجور لآل عبد الهادي يعيد الحياة لتقاليد وعادات ومفاهيم توشك على الانقراض، وخطة لإنجاح الفكرة، وساعدها في التواصل مع جهات مهتمة بالمعمار القديم ومنع البيوت القديمة من السقوط، لكنه استشهد خلال عمله الإعلامي قبل أن يشاهد أحلامه، وواصلت هي تحقيق أمنياته، وبحثت عن مجموعة سيدات لتشكيل هيئة إدارية للجمعية، ولطرق باب مؤسسات وجمعيات.

 

بيت تاريخي

واستردت أم عماد، التي كانت سعيدة بنجاحها في ترميم البيت التاريخي مرة أخرى، العام الماضي، تفاصيل عديدة لدورات تعليم خياطة، وإنتاج غذائي تراثي، وتطريز، وتثقيف، وتوعية، وبيئة، وتطوع.

وأشارت إلى أن أحدث قائمة من المستفيدات تضم 32 سيدة، حصلن على الكثير من المهارات العملية والنظرية، الخاصة بالتراث وحمايته، إضافة إلى منتدى مرج ابن عامر النسوي البيئي، المشترك مع مركز التعليم البيئي.

وتبعا لأم عماد، التي نالت الثانوية العامة عام 1966 وعملت معلمة، فإن الجمعية نجحت مؤخرا بالرغم من العقبات الكثيرة في تنفيذ 60 نشاطا، مثلما شاركت في معارض وأيام ثقافية وملتقيات محلية وعربية، كان عنوانها المشترك الترويج للتراث، واستطاعت الترويج للتراث بكل السبل، وتمكنت من تعليم فتيات وجامعيات الكثير من المهارات، وأقنعتهن بالعودة إلى الأطباق التراثية، التي بالكاد يسمع عنها الناس.

وأفادت والحزن يسكنها على ابنها الذي يذكرها كل شيء في الجمعية به، بأنها بدأت فعليا عام 1995 ومجموعة من نساء جنين بتأسيس هيئة تعنى بإعادة الحياة إلى التراث الفلسطيني وتعريف الأجيال الشابة به، وبتشجيع من عماد الذي أطلق على المكان اسم "من زمان".

نالت أم عماد في 22 نيسان 2003 ترخيص الجمعية، وخلال 21 عاما استطاعت نشر رسالة تراثية عبر ندوات ومحاضرات وأيام تسويقية ومشاركات في نعارض، كما أسست متجرا لبيع المأكولات التراثية والمشغولات اليدوية يحمل اسم (نملية)، التي تعني خزانة حفظ الطعام بالتسمية القديمة. ونجحت ورفيقاها بالتراث الشعبي، في نقل المعرفة في صناعة المطرزات والقشيات والأعمال والفنون اليدوية والمشغولات، ونفذن فعاليات لفنون التطريز والرسم على الزجاج استخدام الخيش كستائر.