المتطرفون الصهاينة ورفض وجود دولة فلسطينية
باسم برهوم

إذا أردنا توخي الدقة، وان نضع الامور في نصابها، فإنه ليس من بين التشكيلات والاحزاب الصهيونية، قبل تأسيس إسرائيل وبعدها من كان فعلا يرغب بوجود دولة فلسطينية، ربما بعض الاستثناءات القليلة جدا من مفكرين ومؤرخين وكتاب وبعض أوساط اليسار. واقصى استنتاج توصل اليه العقل الصهيوني عندما قال إسحاق رابين وشمعون بيريس عام 1992 انهما لا يريدان السيطرة او حكم شعب آخر، الأمر الذي قادهما لتوقيع اتفاق اوسلو، وهو ما قاد إلى الاعتراف وللمرة الاولى في تاريخ المنظمة الصهيونية بوجود الشعب الفلسطيني واعترفوا بممثله الشرعي والوحيد منظمة التحرير الفلسطينية، وان له حقوقا سياسية وليس فقط مدنية ودينية، مقابل اعتراف المنظمة بإسرائيل.
أهمية اتفاق اوسلو بالمنظور الاستراتيجي، انه لأول مرة يتخلى جناح صهيوني عن فكرة حصر حق تقرير المصير على كل أرض فلسطين التاريخية بالشعب اليهودي والاعتراف ان هناك شعبا آخر، إن لم يكن له كل الحق، فأقله على جزء من فلسطين، لذلك شن اليمين المتطرف الإسرائيلي هجوما شرسا على اتفاقية اوسلو من اللحظة الأولى، وعمل ولا يزال على تدميرها تماما، ومثل اقرار الكنيست الإسرائيلي لقانون يهودية الدولة، والذي نص بحصرية حق تقرير المصير على "أرض إسرائيل" كاملة بالشعب اليهودي، إنهاء عملي وسياسي لأوسلو.
وتاريخيا كانت كافة تيارات المنظمة الصهيونية، من يسارها الاشتراكي، وحتى يمينها القومي المتطرف كان مفهوم إسرائيل يشمل ضفتي نهر الأردن، وإجزاء من سوريا ولبنان، والفارق بين التيارين، ان الأول كان على استعداد للتواصل مع الشعب الفلسطيني والتحاور معه لإقناعه بقبول الاهداف الصهيونية، والتيار الثاني كان لا يرى ولا يريد أن يرى الشعب الفلسطيني نهائيا، وان الحل الوحيد هو التهجير، والتيار الثاني هو الذي يحكم إسرائيل اليوم.
اليسار الصهيوني توصل بفعل الانتفاضة الفلسطينية الأولى، وبحكم التجربة الطويلة، توصل للاستنتاج المشار اليه سابقا، بان إسرائيل يجب ألا تحكم شعبا آخر، واعترف هذا التيار بوجود الشعب الفلسطيني ومنحه جزءا من الأرض وكان مستعدا لان يتحول هذا الجزء إلى دولة بطريقة او اخرى، حتى شارون احد صقور اليمين التقليدي قرر في مرحلة ما الانفصال عن الشعب الفلسطيني، فقام بالانسحاب من قطاع غزة بشكل كامل، وكان على استعداد للانسحاب من غالبية الضفة.
لكل ما سبق جن جنون اليمين المتطرف الصهيوني - الإسرائيلي، فعمل بكافة الأساليب لمنع ان يتطور هذا الواقع إلى دولة فلسطينية مستقلة ومعترف بها، لان وجود مثل هذة الدولة سيحرم هذا اليمين المتطرف من التوسع والاستيطان، وينهي وإلى الأبد فكرة إسرائيل الكبرى، لذلك تحرك هذا اليمين منذ اليوم الأول لابرام إتفاقيات اوسلو، وفي السياق قرر اغتيال رئيس الوزراء إسحاق رابين، ويغتال شمعون بيريس سياسيا، وان يبعد كل فريق أوسلو عن مراكز القرار، وكان هذا اليمين على استعداد ان يتعاون مع الشيطان، وهو هنا حماس، من اجل قطع كل الطرق التي يمكن ان تؤدي إلى دولة، بما في ذلك كان على استعداد لمد حماس، التي فصلت قطاع غزة عن الضفة بالمال وكل الدعم غير المباشر عبر دول إقليمية معروفة كي يتواصل الانقسام والانفصال اطول زمن ممكن كي يمنعوا قيام دولة فلسطينية.
المشكلة ان حماس كانت تدرك معادلة هذا اليمين الصهيوني المتطرف ومع الأسف تناغمت معها وكانت كما اليمين المتطرف ترى في اليسار الإسرائيلي عدوا لها لأنه قد يواصل تفاوضه مع منظمة التحرير والسلطة الوطنية، وهي، اي حماس، وهذا اليمين كله كانا يسعيان لتقويض السلطة الفلسطينية ويضعفانها. اليمين المتطرف الإسرائيلي كان له هدف واحد وحيد في كل المرحلة منذ اوسلو وحتى الآن هو منع قيام دولة فلسطينية، واليوم تهيأت له الظروف بسبب السابع من أكتوبر، لا لأن يمنع قيام دولة فلسطينية مستقلة، وإنما ان يحقق هدفه الاستراتيجي النهائي في ان يهجر الفلسطينيين عن كل "أرض إسرائيل"، ومن ثم يبدأ مرحلة أخرى من التوسع. الحكومة الإسرائيلية الحالية تمثل خلاصة هذا اليمين منذ جابوتنسكي والتنقيحيين الصهاينة وحتى الصهيونية الدينية، فهذه الحكومة هي مزيج من تحالف يجمع اليمين القومي التقليدي، والصهيونية الدينية والحارديم، الاحزاب الدينية المتشددة، وهذه التركيبة تحصل بهذا "النقاء" اليميني المتطرف للمرة الأولى في تاريخ إسرائيل، وهي تتمسك قطعيا بإنكار وجود الشعب الفلسطيني وترفض بتاتا الاعتراف بحقوق الوطنية المشروعة، بما في ذلك حقه في تقرير المصير حتى ولو على جزء من ارضه التاريخية.
وما يغيظ اليمين المتطرف الإسرائيلي هو ان دولة فلسطينية اصبح معترفا بها من أكثر من 149 دولة، ومن بينها دول أوروبية غربية مثل السويد، وإسبانيا وايرلندا، وان دولا أخرى مثل فرنسا وربما بريطانيا ستعترف قريبا بهذه الدولة، ولكن المهم اليوم ان تتوقف الحرب في قطاع غزة وان يعود القطاع ويرتبط بالشرعية الوطنية الفلسطينية المعترف بها دوليا.
قد يكون هذا الهدف صعبا، في ظل وجود حكومة اليمين المتطرف، وعدم رغبة حماس في إعادة القطاع للسلطة الوطنية الفلسطينية، ولكن هذا الواقع في إسرائيل يقترب من نهاياته، ونأمل ان تلتزم حماس لمرة واحدة في تاريخها بموقف وطني صحيح.
مواضيع ذات صلة
"نزع السلاح".. بين المناورات والذرائع!
المجالس المجتمعية.. حين تتحول الفكرة إلى نهج وطني فاعل
تعديل قانون انتخاب الهيئات المحلية.. إعادة ضبط البوصلة الوطنية أم تحصين متأخر؟
مستوطنات لتفريخ الارهاب!
نظام دولي قديم يتفكك وآخر جديد آخذ بالتبلور
الهند والجنوب العالمي
انتهت صلاحية "الجماعة".. ولكن ماذا عن الحرب الدينية؟!