عاجل

الرئيسية » اقتصاد » عناوين الأخبار » تقارير خاصة » شؤون فلسطينية »
تاريخ النشر: 02 أيار 2025

عمال فلسطين.. وجع الخبز وكرامة البسطة

"أرشيفية"

رام الله- الحياة الجديدة- نغم التميمي- يحتفل العالم في الأول من أيار من كل عام بيوم العمال احتراما وتقديرا للطبقة العاملة التي تعد عماد المجتمعات ومحرك عجلة الاقتصاد، بينما يمر هذا اليوم على شريحة واسعة من العمال الفلسطينيين خاصة الذين كانوا يعملون داخل أراضي الـ48 وهم في أقسى حالاتهم الاقتصادية والاجتماعية بعد فقدهم عملهم عقب اندلاع الحرب في السابع من اكتوبر/ تشرن الأول على قطاع غزة.

وشكل العمال داخل أراضي الـ48 شريانا اقتصاديا حيويا رغم مرارة ما يمرون به يوميا على الحواجز، حيث يعبرون على اكتافهم ثقل الاحتلال والملاحقة ليعودوا آخر النهار برغيف خبز تسنده كرامة الكد والتعب، لكن تغيرت المعادلة كليا بعد اندلاع الحرب على غزة، حيث سُحِبت التصاريح منهم وانقطع مصدر الرزق الوحيد لعشرات الآلاف منهم، واغلقت المعابر.

عبد الحفيظ محمود، رب أسرة مكونة من ستة أفراد، يسكن في شقة متواضعة في أحد أحياء رام الله، كان بالكاد يغطي تكاليف المعيشة من دخله في ورشات البناء في أراضي الـ48، حيث كان يتقاضى يومية تُعد مقبولة مقارنة بالفرص الشحيحة داخل الضفة الفلسطينية المحتلة.

استيقاظه كان الساعة الثالثة فجرا، يحمل فطوره في كيس نايلون صغير (قطعة خبز وزيتون)، وينطلق إلى المعبر، واقفا في الطوابير الطويلة المزدحمة، في صمت وقلق، متأملا أن يمر يومه بسلام وان يدخل للعمل دون مشاكل، لكنه رغم المشقة، كان يعتبر نفسه محظوظا، لأنه يعمل ويؤمّن حياة كريمة لأطفاله الأربعة (ثلاثة في المدرسة، والرابع في الحضانة).

عاش عبد الحفيظ صدمة حقيقية بعد اندلاع الحرب. ويقول: "صحيت الصبح، وسمعت اننا ممنوعين من الدخول حسّيت كأن الحيط وقع عليّ، شو بدي أطعم أولادي؟ كيف أعيشهم؟".

لم ينتظر عبد الحفيظ المساعدات أو وعود الدعم، بل حمل نفسه إلى أقرب سوق، واشترى بعض حزم البقدونس والفجل، وأكياس بصل، وبدأ يفرش بسطة صغيرة على الرصيف. "ما كنت أتخيل في يوم أبيع خضرة بهالشكل، بس الشغل مش عيب، وولادي الأربعة لازم يعيشوا".

كثيرا ما يتعرض عبد الحفيظ لنظرات التجاهل من المارة، لكنه لا يكترث، يقول: "الكرامة مش بالشغل اللي بتعمله، الكرامة إنك ما تمدّ إيدك لحدا، وتظلك تحاول حتى لو على بسطة".

اليوم، يعيش عبد الحفيظ على دخل لا يتجاوز 25 شيقلا في اليوم، بالكاد تكفي لشراء الخبز والحليب. ورغم ذلك، لا يشتكي كثيرا، ويكتفي بعبارة يرددها دائما: "الله يفرجها مش إلي لحالي، لكل العمال اللي انكسر ظهرهم من الظلم".

وبات يوم العمال بالنسبة للعامل الفلسطيني تذكيرا بثقل الواقع ومرارة التهميش، فلم يحملوا سلاحا، بل حملوا أدواتهم وخرجوا فجرا ليؤمنوا قوت يومهم، أصبحوا فجأة بلا عمل وبلا خطط بديلة، فباتت قصصهم تملأ البيوت، آباء لا يملكون ثمن حليب أطفالهم، وشباب يحلمون بفرصة ضائعة.

وكشف الأمين العام لاتحاد نقابات عمال فلسطين شاهر سعد واقعا مريرا يعيشه العمال الفلسطينيون، مؤكدا أن عشرات الآلاف منهم لم يتقاضوا رواتبهم منذ 17 شهرا، في ظل ظروف اقتصادية متدهورة، وغياب شبه تام للحماية الاجتماعية.

وأوضح سعد أن عدد العاطلين عن العمل بلغ 507,000 شخص، في ظل ارتفاع نسبة البطالة إلى أكثر من 56%. وأشار إلى أن 89% من العمال الفلسطينيين محرومون من التأمينات والضمانات الاجتماعية، مؤكدا أن خسائر العمال الشهرية تقدر بحوالي 1.35 مليار شيقل.

وتناول سعد في تصريحه الانتهاكات المتواصلة بحق العمال، مشيرا إلى أن 11,000 عامل تعرضوا للاعتقال منذ بدء الحرب في أكتوبر 2023، فيما بلغ عدد شهداء لقمة العيش 33 شهيدا خلال نفس الفترة، نتيجة الاستهداف المباشر أو سوء المعاملة أو ظروف العمل القاسية.

وطالب سعد بوقف الملاحقة الأمنية للعمال، والإفراج عن المعتقلين، ودفع تعويضات للمتضررين، كما دعا الحكومة والقطاع الخاص إلى دعم الاقتصاد المحلي والاستثمار في الداخل، للحد من البطالة وتعزيز الإنتاج الوطني.

وأكد أن اتحاد نقابات العمال يواصل جهوده الدولية لإبراز معاناة العمال، مطالبا منظمة العمل الدولية ومؤسسات حقوق الإنسان بالتحرك الفوري لوقف الانتهاكات وتعزيز حقوق العمال الفلسطينيين.