عاجل

الرئيسية » اقتصاد » عناوين الأخبار » تقارير خاصة » شؤون فلسطينية »
تاريخ النشر: 01 أيار 2025

عمال يكتوون بنيران الفقر وجحيم الاحتلال

15 عاملًا فلسطينيًا استشهدوا منذ بداية العام برصاص الاحتلال أو أثناء الملاحقة داخل أراضي الـ48 أو بالسقوط عن جدار الفصل

51 ألف عامل من محافظة نابلس يكدحون يوميا في السوق لاهثين وراء لقمة عيشهم

*شبان يضطرون للعمل في ظروف صعبة دون عقود رسمية وبلا ضمان اجتماعي أو صحي

*عمال يئنون: دخلنا في نفق مظلم ووجدنا أنفسنا فجأة بلا دخل 

*الواقع الصعب يدفع عمالاً إلى تغميس لقمتهم بالدم باحثين عن عمل من خلال فتحات "الجدار"

*شاهر سعد: ظروف العمل الحالية تفتقر إلى أدنى معايير الأمان والاستقرار وأزمة البطالة تتعمق

نابلس- الحياة الجديدة- ميساء بشارات- في الصباح الباكر، وقبل أن تشرق الشمس على قمم جبال نابلس، يتحرك الخمسيني محمد شحادة ذو الوجه المحترق بعد سنوات من العمل في ظروف صعبة، نحو ورشة البناء التي يعمل بها منذ أكثر من عشرين عاما، يرتدي خوذته المكسورة.

يقول: "نحن عمال، لكننا أيضا مقاتلون، نقاتل من أجل رغيف العيش، من أجل ألا يجوع أطفالنا".

في هذا اليوم العالمي الذي يحتفي فيه العالم بعماله، يغيب الاحتفال في نابلس وتحضر المعاناة، هنا، حيث العمل مرادف للبقاء، إذ لا واقع مريح، بل انتظار طويل على أبواب المعامل والمصانع لايجاد فرصة عمل بعد أن حل الركود الاقتصادي فيها وحوصرت من جميع الجهات من قبل حواجز الاحتلال.

تراكمت عوامل كثيرة على مدينة نابلس لتقضي على أغلب فرص العمل فيها، فهي حالياً تعيش واقعاً اقتصادياً صعباً، من ارتفاع تكاليف الإنتاج، وضعف التصدير، وانخفاض الاستثمار، ومحاصرة الاحتلال للمدينة، ومع ذلك، يحاولون النهوض كل صباح، ويذهبون إلى مواقع عملهم.

يشير شحادة إلى أن العمال هم أول من يستغنى عنهم، وآخر من يُسأل عنهم، فالكثير منهم يعملون دون عقود عمل رسمية ودون ضمان اجتماعي أو صحي، يمضون أعمارهم في المصانع والورش.

العامل مصطفى سعد أمضى أكثر من (30 عاما) في العمل داخل الخط الأخضر في البناء وتمديد الكهربائيات وغيرها من القطاعات،  ليجد نفسه بعد أحداث السابع من تشرين الأول بلا عمل ودون مصدر رزق يستطيع من خلاله الأنفاق على أولاده، ليضطر لبيع أرضه لينفق على تعليم ابنه الجامعي وأسرته ويكفي نفسه من مد يد العون للغير.

يقول سعد: "ما زلت مذهولا من الوضع الذي ألم بي وأسرتي، فما أسرع الاستغناء عن العامل الفلسطيني رغم خبرته الطويلة واتقانه للعمل".

ويقول أحد عمال الخياطة في مدينة نابلس إن المطلوب هو أن تقوم النقابات بالدفاع عن العمال ووضع وسياسات وطنية تحميهم، وتشريعات تلزم أصحاب العمل بحقوقهم.

في محافظة نابلس، بكل ما تضم من مدينة، وقرى، ومخيمات، يتخطى عدد العمال الذين يكدحون يوميا في ميادين العمل المختلفة 51 ألف عامل، موزعين بين سوق العمل الإسرائيلي، والسوق المحلي، وفق ما صرح به الأمين العام لاتحاد عمال فلسطين، شاهر سعد، والتي تعود لما قبل عام 2023.

فمن هؤلاء، أكثر من (16) ألف عامل فلسطيني من نابلس كانوا يعملون داخل الخط الأخضر، بينما وجد ما يزيد عن (5) آلاف آخرين في "المستعمرات الإسرائيلية" متنفسا اقتصاديا رغم مخاطره، في حين بقي نحو (30) ألف عامل وعاملة داخل السوق المحلي يحاولون الصمود في بيئة اقتصادية مأزومة.

يقول شاهر سعد: "لكن هذا الواقع المرهق، بات جحيما منذ اندلاع العدوان الإسرائيلي في السابع من تشرين الأول/ أكتوبر 2023، إذ دخل العمال في نفق مظلم لا مخرج منه، توقفت تصاريح العمل، وتوقفت معها سبل العيش، ووجد آلاف العمال أنفسهم فجأة بلا دخل، في ظل غياب شبكة أمان اجتماعي، وقوانين حماية، أبرزها قانون الضمان الاجتماعي الذي لا يزال معلقا منذ سنوات".

ويتابع "الوضع مأساوي، العامل الفلسطيني لم يعد يعرف أين يتجه، حيث لا تصاريح، لا فرص عمل، ولا بيئة تحميه. حتى السوق المحلي عاجز عن استيعاب العاطلين بسبب الركود الاقتصادي وشح السيولة، الناتج بدوره عن وقف تحويلات أموال المقاصة من الاحتلال للسلطة الوطنية، ما انعكس مباشرة على الرواتب وعلى الدورة الاقتصادية ككل".

ويذكر أنه مع انسداد الأفق، لم يجد الكثير من العمال إلا المخاطرة بعبور "الفتحات" في جدار الفصل العنصري، وهي مناطق خطرة يستخدمها العمال للوصول إلى الداخل المحتل دون تصاريح، متحملين بذلك خطر الاعتقال، أو الضرب، أو حتى الموت.

ويستذكر سعد الحادثة الأليمة التي وقعت قبل أيام في قرية عراق بورين جنوب نابلس، تلخص فصول هذه المأساة، العامل عرفات قادوس، شهيد لقمة العيش، قضى نحبه بعد سقوطه عن الجدار أثناء مطاردة قوات الاحتلال له، بينما كان يحاول الوصول إلى عمله داخل أراضي 1948.

يعلق سعد: "لقمة العامل الفلسطيني اليوم مغمسة بالدم، والاقتصاد الوطني ينهار أمام أعيننا، ومعه تنهار كرامة العامل وحقه في الحياة".

وأضاف أن بيئة العمل الحالية تفتقر إلى أدنى معايير الأمان والاستقرار، فلا أجور عادلة، ولا بيئة محفزة، ولا استثمارات حقيقية من أصحاب رؤوس الأموال في الضفة ، ما يعمق أزمة البطالة ويزيد من هشاشة الوضع العمالي.

وبحسب التقارير الصادرة عن الاتحاد العام لعمال فلسطين، فقد استُشهد منذ بداية العام الجاري 15 عاملًا فلسطينيًا برصاص قوات الاحتلال الإسرائيلي، أو أثناء الملاحقة داخل أراضي الـ48، أو بالسقوط عن جدار الفصل والتوسع العنصري، آخرهم العامل عرفات قادوس (53 عامًا) من قرية عراق بورين جنوب نابلس.

وبلغ عدد شهداء لقمة العيش خلال عام 2024، 56 عاملًا، منهم 25 في سوق العمل الفلسطيني بالضفة، و14 بأراضي عام 48، و13 أثناء محاولتهم الوصول إلى أماكن العمل، إما بالرصاص الحي أو بالسقوط عن جدار الفصل والتوسع العنصري.

ويختتم سعد حديثه بالدعوة إلى "تحمل الجميع لمسؤولياته، لضمان حق العامل الفلسطيني في حياة كريمة، والعمل على خلق فرص تشغيلية حقيقية تخرجه من براثن الحاجة والمهانة".

ورغم كل ذلك، يبقى الأمل موجودا بين عمال نابلس، يواصلون الكفاح، من أجل حياة كريمة ومستقبل أفضل، فتنبت مبادرات فردية وشبابية لدعم العمال، بعضهم بدأ مشاريع صغيرة، وآخرون يدربون الشباب على المهن اليدوية.