جنين.. 100 يوم من العدوان والحصار

جنين-الحياة الجديدة-عبد الباسط خلف- ربطت دارسة الأدب الإنجليزي سارة علي، بين رواية "مئة عام من العزلة" للمؤلف الكولومبي ذائع الصيت غابرييل غارثيا ماركيز، وما تشهده جنين منذ 100 يوم.
وقالت الثلاثينية التي تسكن أطراف جنين، إن الراوية ذائعة الصيت، التي نشرت عام 1967، وطبعت منها قرابة الثلاثين مليون نسخة، تذكر أهالي المدينة ومخيمها وريفها بما يتعرضون له منذ 21 كانون الثاني الماضي.
واستردت سارة لـ"الحياة الجديدة" ما يعلق في ذاكرتها بشأن فصول الراوية، التي قدمت أحداث المدينة عبر سيرة عائلة "بوينديا" على مدى 6 أجيال، يعيشون في قرية "ماكوندو" الخيالية.
ووصفت ما يجري في جنين بـ"محنة كبيرة"، لا تاريخ نهاية لها، ويبدو أنها ستطول أكثر من أحداث رواية ماركيز.
محطة استهداف
وأوضح الأديب والتربوي حسان نزال، أنه قرأ الرواية الشهيرة في شبابه، ورأى بأن ما يجب قوله إن العدوان على جنين لم يبدأ منذ 100 يوم فقط، بل مُعتدى عليها منذ الاحتلال، ولم تشهد فترات هدوء، وهي حالة متقدمة، تنشغل بالهم الوطني أكثر من غيرها بحكم موقعها ووقائعها، وكانت مهدًا للكثير من الثورات، مثلما اعتبرها الغزاة محطة فارقة للاستهداف عبر التاريخ.
واعتبر الرقم (100) حيزًا زمنيًا يطيب للصحافيين والأدباء الاستحواذ عليه ومتابعته؛ لدلالته، وبوسعهم جمع المؤثرات خلال هذه الفترة ورصد تطورها.
وجمع بين ما قدمته رواية ماركيز من أسباب للعزلة ومظاهرها ونتائجها خلال 100 عام، ويمكننا اليوم رصد التحولات خلال 100 يوم ومعرفة السلوك الذي ينتهجه الاحتلال في جنين ومخيمها وريفها، ومحاولة تحويل العدوان إلى "وجود طبيعي".
والمفارقة التي قدمها نزال، أن الشعوب تعتبر الرقم 100 دالة للإنجاز وحيزًا لتحقيق الأهداف، لكن في حالة جنين لا يتاح لنا التعامل مع الزمن إلا بوصفه حيزًا للمرارة ومتابعة ما يجري لنا في الوطن كله.
تاريخ وركام
فيما استرد أستاذ التاريخ مفيد جلغوم الحقب القاسية التي عصف بالمدينة عبر التاريخ، وقال إن جنين تعرضت في أيلول 1938 لتدمير واسع النطاق للمنازل والمباني التاريخية في محيط مسجدها الكبير ومدرسة فاطمة خاتون، وسق الخضار المركزي.
واستجمع ما حل بالمدينة من تدمير المستعمرون لخمسين منزلًا دفعة واحدة، وهو رقم كبير قياسًا بعدد بيوتها في تلك الفترة؛
وحسب جلغوم، فأن جزءًا كبيرًا من المباني التي دمرها المستعمرون أعيد إقامتها، بينما بقيت البيوت مكان سوق الخضراوات اليوم دون بناء، من بينها فرن وحمام عام، وبقيت ساحة فارغة.
وأضاف أن جنين في 3 حزيران 1948 احتلت بالكامل من العصابات الصهيونية، وطرد منها أهلها، ولكن في اليوم التالي شن الجيش العراقي ومتطوعون من أبناء المدينة والأرياف عملية عكسية حرروها خلالها، وكبدوا المهاجمين خسائر كبيرة.
وأعاد إلى عام 1800 الذي شهد حملة لنابليون طالت الناصرة وقرى الجليل ووصلت مشارف جنين، التي قصفت بالمدفعية، ولا زالت آثار عدوان نابليون واضحة على أحد أعمدة صحن المسجد الكبير، الذي بني بطريقة مختلفة.
ووصف جلغوم المئة يوم الأخيرة في جنين بـ"الأسوأ والأطول" على المدينة، وتتشابه مع أحداث نيسان 2002، التي كانت أقصر بكثير.
حصيلة ثقيلة
من موقعه، وصف رئيس بلدية جنين، محمد جرار، العدوان الحالي بـ"المختلف وغير المعهود على المدينة منذ عام 1967."، وفقدت المدينة ومخيمها وريفها 40 شهيدًا، ونحو 150 مصابًا.
وأكد أن كامل بنية المخيم التحتية، ونحو 60% من بنية المدينة تعرض للتدمير، إضافة إلى تضرر قرابة 4000 منزل بشكل كلي أو جزئي، وتدمير 120 كيلو مترًا من الشوارع، ونحو 39 كيلو مترًا من شبكات الصرف الصحي، و43 كيلو مترًا من خطوط المياه، واستهداف الشبكات الداخلية كاملة في المخيم والحي الشرقي.
وحسب دراسة أولية للبلدية، فإن المدينة خسرت بشكل مباشر نحو 300 مليون دولار، ونحو 45 مليون شيقل في شبكات الكهرباء، عدا عن أضرار غير مباشرة في قطاع الصحة والبيئة والاقتصاد، وأقفال قرابة 600 متجر بشكل كامل، وانخفاض الدخل المحلي (المقدر بنحو 30 مليون شيقل يوميًا) بنحو 80% منه في أول شهرين للعدوان، إضافة إلى فقدان 4 آلاف من العمالة المحلية لوظائفهم، وانضمام شرائح جديدة إلى الفقر.
وأوضح جرار أن نسبة الأمراض الصدرية ارتفعت بنحو 10% بفعل الغبار، كما أن البلدية تعجز عن مقاومة القوارض والكلاب الضالة، التي هاجمت أول أمس طفلين، فيما اقتلع الاحتلال أشجارًا.
وذكر أن البلدية منيت بخسائر فادحة، وتراجعت إيراداتها الشهرية نحو 90%، وتضاعف أعباء النفقات التشغيلية لإصلاح الأضرار بنحو 2 مليون شيقل شهريًا، وباتت مهددة بإعلان الإفلاس.
وحسب جرار، فإن المجلس يسعى لحلول تخفيفية لتقليل تداعيات العدوان، وتعد لتعبيد طرقات الوسط التجاري للمدينة، وتساهم في استقبال المتسوقين من أهلنا في الداخل المحتل.
20 ألف نازح
ورسمت عضو اللجنة الشعبية للخدمات في مخيم جنين، فرحة أبو الهيجاء، صورة حزينة لأحوال مخيم بعد 100 يوم من عدوان غير مسبوق.
وقالت إن قرابة 20 ألف من أهالي المخيم، أجبروا على ترك بيوتهم، ما زالوا تحت صدمة النزوح الصعبة وخسارة كل شيء، بموازاة عدم توفير بيوت بديلة لهم، أو إيجاد حلول عملية لغيابهم الطويل عن مدارسهم.
وأفادت بأن معضلة أهالي المخيم عدم تيقنهم بحالة بيوتهم الدقيقة، ودرجة تضررها وتدميرها؛ بسبب منع جيش الاحتلال وصول أية جهة إلى داخله.
وذكرت أبو الهيجاء أن تركيب بوابات حديدية في مداخل المخيم كان ثقيلًا على الأهالي، الذي ظلوا على أمل العودة إلى بيوتهم وإعادة إعمارها، في ظل شح أية معلومات حول نوايا الاحتلال وخططه الدقيقة.
وربطت بين البوابات والبراميل الإسمنتية التي كان الاحتلال يستخدمها عشية انتفاضة 1987، ويغلق بها مداخل المخيم، والتي هدفت إلى عزله ومحاصرته واستهداف رمزيته.
وبينت أن الاحتلال استخدم خلال العدوان كل آلات الحرب من دبابات وناقلات جنود وطيران مسير وجرافات ثقيلة ومصفحات وقنابل حارقة، وأعلن أنه سيحول المخيم إلى أحد أحياء جنين.
وأضافت أن حالة النزوح والتدمير تتصاعد في محيط المخيم والأحياء القريبة منه، بعد تدمير نحو 600 منزل بشكل كامل المخيم في حارة الدمج وجورة الذهب والساحة، تشكل نصف البيوت المهدومة.
60 بالمئة فقراء
وأحصى مدير غرفة جنين التجارية، محمد كميل، الخسائر التي رصدتها الغرفة في بنية المدينة التحتية، وقال إن 3 شوارع رئيسة وحيوية جرى تدميرها بالكامل، عدا عن محيط المستشفى الحكومي، وتدمير البنية التحتية للقطاع الخاص في المخيم، وتعطل كامل النشاط الاقتصادي داخله وتلفها.
وأشار إلى تعطل العاملين في القطاع الخاص وحرمانهم من مصادر رزقهم، كما حدث في شارع فلسطين (العسكري)، الذي كان يعتبر رئة لجنين، وانعدام التسوق المسائي في المدينة.
وأكد أن الخسائر التي تكبدها المدينة خلال 100 يوم عدوان وصلت إلى 3 مليار شيقل، بينما أصبح 60% من المواطنين إلى فقراء جدد، وسط صعوبة كبيرة في إعادة إعمار البنية التحتية المدمرة؛ لعدم وجود ضمانات بإعادة تخريبها.
وبين كميل أن عودة متسوقي الداخل يخفف من حدة الأزمة، فخلال السبت الماضي دخلت المدينة 3190 سيارة و5 باصات، وتوقع زيادة تدريجية في الأعداد أسبوعيًا.
فيما أفاد مدير نادي الأسير في جنين، منتصر سمور بأن جنين ومخيمها وريفها شهدت خلال المئة يوم اعتقال قرابة 600 مواطن، وهي أكبر حصيلة تشهدها المحافظة في غضون نحو 3 أشهر.
وأوضح أن بلدة عرابة شهدت ايضًا احتجاز أكثر من 100 شاب في ديوان آل العارضة، الذي تحول إلى مركز توقيف وتحقيق ميداني.
مواضيع ذات صلة
صرخات أمهات الأسرى.. شاهدة على مأساة إنسانية متفاقمة خلف جدران السجون
الرئيس يصل النرويج في زيارة رسمية
تصاعد الانتهاكات بحق الصحفيين الفلسطينيين خلال الشهر الماضي
غزة: آلاف يشاركون في وقفة لدعم الأونروا ورفض المساس بموظفيها
فرنسا: القرارات الإسرائيلية بشأن الضفة انتهاك جسيم لحل الدولتين
الهباش ومدير هيئة حقوق الإنسان في منظمة التعاون الإسلامي يبحثان سبل تعزيز التعاون