عاجل

الرئيسية » ثقافة »
تاريخ النشر: 26 نيسان 2025

الكتابة في زمن الحرب

جبر جميل شعث*

فرضت علينا ظروف الحرب وما رافقها من أهوال وكوارث وفقد وخسارات، فترة صمت؛ صمت منبعه الذهول ورفض تصديق ما يحدث، فالواقع الكارثي الذي عشناه وما زلنا كان ومازال لا يحتمله اي كلام. ولكن ومن منطلق أن الكتابة الجادة مسؤولية في المقام الأول، وليست ترفاً وتزجية للوقت كان لا بد لنا من العودة إلى الكتابة، وربما ما عزز عودتنا إلى الكتابة، هو طلب بعض المؤسسات الوطنية والأهلية وبعض المواقع والصحف الفلسطينية والعربية الوازنة، ان نكتب شهادات من قلب المحرقة، ويوميات عن الحرب وتفاصيلها، تلك التفاصيل التي تتعلق بحياة الناس في خيام النزوح، وصعوبات العيش الذي بدا مستحيلا.

كتبنا عن كل ذلك، ولكن بلغة جديدة، ورؤية جديدة، واحيانا بسؤال ملح قاس عن جدوى ما نكتب ونحن في عين هذه المقتلة العظيمة. ولكن رغم تلك المآسي، لم ننس مشروعنا الشعري، الذي شققنا طريقه قبل اكثر من عقدين، فأصدرنا مجموعتنا الشعرية السادسة، بعنوان (ماوراء المجاز) عن دار (أرفلون) للنشر بالقاهرة. كما أننا اشتغلنا في كتابين لنا الأول في مجال النقد التطبيقي بعنوان (هكذا فاوضتُ النصوص) والثاني في مجال التنظير النقدي، لم نعنونه بعد.

ولأن الحقيقة هي المسيطرة على مشهد الحياة كله، وهي حقيقة إذا بقينا نحدق فيها باستسلام ستؤدي بنا إلى الموت، ولكي نهرب من فكرة الموت نلوذ بالكتابة كنقيض لهذه الفكرة، فالكتابة ولاشيء غيرها، يمكن أن يكون منجى للكاتب، على الأقل في السياق السيكولوجي، وعليه فقد يهرب الكاتب من الواقع المرير، إلى الخيال بمفهومه الفني، لكي يعبر عن ذلك الواقع.

ومن البدهيات أن تكون الكتابة في زمن الحرب، غير تلك التي تكون في زمن السلم والأمن والرخاء. فالحرب تحفر عميقاً في وعي المرء، وهذا يؤدي إلى تغيرات حادة في نظرته إلى ذاته ومحيطه والعالم الذي يعيش فيه.

هذا فضلا عما يرين على المرء الذي يعيش ويعايش الحرب، من تغيرات جسدية ونفسية وسلوكية، وتبعا لذلك ستكون الكتابة،حتما، تنطوي على تغيرات في اللغة والأسلوب وزاوية النظر للموضوع محور الكتابة .

ما يتعرض له قطاع غزة ليس حربا بالمعنى التقليدي الذي نعرفه، إنها حرب ذات برنامج مخطط له بدقة وبتؤدة؛ كي لا تكون صدمة العالم كبيرة بما يحدث، هذا إذا افترضنا أن هناك عالماً مازال يحتفظ بالنزر اليسير من المنظومة الخلقية القيمية، التي ينبغي ان تكون في تكوين اي إنسان او مجتمع سوي .

إنها حرب قذرة غير عادلة وغير متكافئة، حرب تتحكم فيها مرجعيات ماورائية، دينية وعرقية، وعقد نفسية من صنع تاريخ وسخ.

لقد تعرضنا لحروب قبل هذه الحرب، ولكننا مثل هذه الحرب ما علمنا ولا ذقنا، هذه الحرب المبيدة لكل ما يتحرك وما يتنفس ومالا يتحرك وما لايتنفس، لم تستطع قطع شرش الحياة فينا، ولا إطفاء قبسها النبوي الذي التمسناه، من جبل النور والمعرفة، حين كان الكون يتعثر بخطواته الأولى.

--------

*شاعر فلسطيني