عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 20 نيسان 2025

أسرانا... والمدهشات الخالدات!

تغريدة الصباح- حسن حميد

أجل، ثمة غابات مدهشة في العالم، وصحارى مدهشة، وبحار وبحيرات، وعمران، وإبداعات، وبشر، وأسرار، كلها غدت ظواهر وأمثلة، إن واقفها المرء وتأملها أحسّ بالفخر والاعتزاز، وملأت قلبه بالرضا العميم، وباعث هذه المدهشات هو الجمال، والحذق، وقوة الإرادة، والقول: هذا ممكن، أما المستحيلات فهي خرافة!

   أقول هذا، وأنا أرى الحال الفلسطينية، ومنذ 76 سنة، وحتى يوم الناس هذا، كيف حوّلت كل حيواتها ودروبها وأفعالها وأحلام أهلها وثقافتهم إلى مدهشات عميمة، تكاد تكون، لولا الحياء المعرفي، أساطير هذا الزمان التي تتفوق بحضورها على حضور قوانين الرياضيات، والفيزياء، والكيمياء، بل تفوق ما رجوناه من القيم الإنسانية: العطاء، والصبر، والشجاعة، والحذق، والجرأة، والصدق، والإخلاص، والجسارة، والتوهج، والإبداع، واشتقاق الدروب والوسائل والمؤيدات.

كل شيء غدا، في الحياة الفلسطينية، مدهشاً، ولافتاً، وعزيزاً، ومحيراً للأبصار والعقول والأفعال في آن، وكأنّ الحياة الفلسطينية، منذ 76 سنة، وحتى يوم الناس هذا هي في امتحان طويل ثقيل إعجازي من أجل النجاح، وإدامة الحياة، وخلق الجمال، واستنبات المعاني السامية؛ ولأنّ الموضوع طويل وأكثر، فإنني سأقف هنا، عند ظاهرة (الأسرى الفلسطينيين)، بمناسبة 17 نيسان، عيد الأسير الفلسطيني الذي بدأ التأريخ له منذ عام 1974، وبات شأناً اجتماعياً، لأنّ بيوت الفلسطينيين جميعاً، ومن دون استثناء، عرفت غياب الأبناء والآباء والأجداد أسرى في سجون الإسرائيليين المحتلين الغاصبين، فكان عيد الأسرى كتاباً يقرأ فيه الفلسطينيون معنى الغياب، والفقد، والتواري، والانتظار، والصبر، والصمود، واشتقاق الحياة الجديدة، رغم الألم، والتعذيب، وفقد كل عزيز ونبيل ومؤيد، وافتراع الدروب للمشي فيها من أجل البقاء وتخليد السلوكيات الحضارية، والمعاني الكبار.

 تتجلى ظاهرة (الأسرى) الفلسطينية من خلال معرفة هذه الثنائيات التي سبّبها المحتل الإسرائيلي والقائمة على: الغياب والحياة، والغياب والموت، والغياب والوطن، والغياب والعزة، والغياب والإرادة، والغياب والتاريخ، والغياب والمستقبل، لقد ورث الإسرائيلي سجون السابقين عليه في احتلال فلسطين، وهم كثرة، وأسماؤهم كثيرة، وظلموتهم كثير راعب، والمخازي التي علقت في رقابهم قلائد بشعة وكثيرة أيضاً، وغايات السجون في أعراف الإسرائيليين، هي أن تكون أمكنة شبيهة بالمقابر، وأن يكون سكانها (الأسرى) صورة للموتى، أي أنها بروفة للموت القادم حتماً (مرضاً، أو سوء تغذية، أو تعذيباً، أو قهراً)، وإن حالف الحظ أحداً من الأسرى وخرج إلى أهله، ستكون صورته صورة الخارج من قبره، وقد تغيّر، وجفّ، ونسي، وتحوّل إلى مخلوق آخر لا قدرة له ولا حول.

لكن الفلسطينيين، ومنذ 76 سنة، وإلى يومنا هذا، حولوا هذه السجون إلى حيوات ودروب وأحلام جديدة، فمن أخذ منهم طفلاً من فوق مقاعد الدرس، واصل تعليمه في السجن خفية عن عيون السجانين الإسرائيليين، ومن لم يتعلم اللغات الأجنبية، وفي طالعها اللغة العبرية، تعلموها في السجن، ومن فاته قطار التثقيف، وجده في السجن، فتثقّف حتى امتلأت روحه بالكبرياء والوعي والانتماء، وهذه المعاني صارت دماً، ورجولة، وأنفاساً لكل أسير، ما عدا من ارتضى الهوان والمذلة صيغة عيش، لقد تعلّم الفلسطينيون الأسرى، وحازوا الشهادات العالية، واكتسبوا ثقافات مذهلة عارفة بالمعاني الوطنية، وحين خرجوا من السجون قادوا شؤون الحياة على أحسن وجه، وبرعوا في تجسيد ثقافة المثال والقدوة والعطاء والإخلاص وحسب قولة أهل الإغريق الذهبية، الحياة: حق، وخير، وجمال، والأهم هو أن الأسرى ازدادوا عشقاً للحياة الوطنية، والعطاء، والعمل.. كلما ازداد السجان الإسرائيلي توحشاً وظلماً وبطشاً، وكان المدهش أنّ من حكموا بالمؤبدات الإسرائيلية الظالمة، هم الأكثر طلباً وإلحاحاً على قراءة الكتب الجديدة، وفي شتى مناحي المعرفة الإنسانية، وكان هذا يسبب الحيرة الدائمة للسجان الإسرائيلي الذي لم يدرك، بعد 76 سنة من احتلاله للأراضي الفلسطينية ماهية العشق الفلسطيني، ليس لأشجار البرتقال واللوز فحسب، وإنما لأشجار الغار والسدر والجميز أيضاً، وما أدهش السجان الإسرائيلي إلى حد الغرابة، هو أنّ الكثير من السجناء الفلسطينيين هم سجناء سابقون، عرفوا كل التعذيب والقسوة، والحرمان، والأمراض.. داخل السجون الإسرائيلية، ومع  ذلك عادوا إلى السجون الإسرائيلية مرة أخرى لأن لا عمل لهم، في ظل وجود الاحتلال الإسرائيلي، سوى العمل الوطني.

   اليوم، وفي هذه الآونة، يزداد التطرف الإسرائيلي عماء، وفي كل شيء، وخاصة داخل السجون الإسرائيلية، إذ ما عاد الأسرى الفلسطينيون ينالون أبسط حقوقهم أثناء الأسر، لا في طعام، ولا في شراب، ولا في نظافة، ولا في دواء، ولا في هواء، ولا في رؤية الضوء، ولا في النوم، لقد ضيّق الإسرائيلي المتطرف دائرة الحياة داخل السجون الإسرائيلية فانتشرت الأمراض التي تؤدي إلى عفونة الجسد البشري، وأكثرها انتشاراً اليوم: الجرب الذي جعل أجساد الأسرى ملأى بالدمامل من الأقدام إلى الوجوه، وحرمهم من الطعام والشراب (الماء، الشاي، القهوة) ومن النوم، والأدوية، والقراءة، والكتابة، والتعلم.. من أجل أن يستشهدوا، وقد استشهد المئات منهم، ودفنوا في مقابر الأرقام الإسرائيلية، وأهلهم يظنون أنهم ما زالوا أحياء.

اليوم، آلاف من المعتقلين الإداريين الفلسطينيين الذين أخذوا من أمكنة عملهم، وبيوتهم، يقبعون في السجون الإسرائيلية، وآلاف من المعتقلين تحت مسمى (المقاتل غير الشرعي) يقبعون في السجون الإسرائيلية الجديدة، أعني المعسكرات الكريهة مثل (سديه تيمان، عناتوت، اركيفت، عوفر، نفتالي) بعد أن ضاقت السجون القديمة على من دخلها ظلماً من الفلسطينيين.

   واليوم، لا وجود فاعلا للصليب الأحمر الدولي، ولا للمحامين، ولا للناشطين الحقوقيين داخل السجون الإسرائيلية لمعرفة شؤون الأسرى الفلسطينيين، واليوم، لا رسائل متبادلة أو منقولة بين الأسرى وأهاليهم، ولا محاكمات تجرى! اليوم، يمارس الإسرائيليون إرهابهم وكرههم وتطرفهم على الأجساد الفلسطينية المأسورة من دون أن يفكروا بأي شكل من أشكال اللوم أو العتب أو المساءلة القانونية، ومع ذلك فالأسرى الفلسطينيون صامدون، مالكون للشجاعة والكرامة والكبرياء الوطنية الحقّة، وقلوبهم تدق بهتافهم العالي: موطني، موطني، الأسرى الفلسطينيون، في هذه الآونة الصعبة جداً، يكتبون سير أسرهم بمداد من الدم، لتكون أساطير يومية جلية تحت أنظار أهلهم مرة، وتحت أنظار العالم كله.. مرات! وللمبصر أن يرى، وللكفيف..أن يسمع!

[email protected]