عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 15 نيسان 2025

التخطيط في مساحة مُستباحة.. كيف تُواجه بلديات محافظة سلفيت التنمية في ظل الاحتلال؟

بقلم: د.عمرالسلخي

في بلدات الزاوية، دير بلوط، بديا، وكفر الديك، الواقعة غرب محافظة سلفيت في الضفة الغربية، لا يبدأ التخطيط التنموي من سؤال "ماذا نريد؟"، بل من سؤال "ما الذي يسمح به الاحتلال؟". ففي مناطق (ج)، التي تشكل أكثر من 60% من أراضي الضفة الغربية وتقع تحت السيطرة الإسرائيلية الكاملة، تتحوّل الخطط المحلية من أدوات استشراف وتنمية، إلى محاولات صمود في وجه استباحة دائمة للحيز الفلسطيني، تشير الخطط التنموية الاستراتيجية للأعوام 2018–2021 في هذه البلدات إلى جهود حقيقية في بناء رؤية محلية تشاركية، لكنها تصطدم بعوائق هيكلية لا تتعلق بالقدرة، بل بالسيادة المنزوعة، والسياسات الاحتلالية المانعة للتخطيط، والمقيّدة للبناء، والمتحكمة في الموارد والمجالات الحيوية.

 

من التخطيط كأداة تنمية إلى التخطيط كأداة صمود

تُظهر الخطة التنموية لدير بلوط مثلًا، أن البلدة تعاني من تقييد عمراني شديد نتيجة توسع مستوطنتي "بدوئيل" و"ليشم"، وبفعل الجدار الذي يعزل أكثر من 40% من أراضيها الزراعية، البلدية وضعت رؤية واضحة للتنمية: توسيع شبكة الطرق، بناء مدارس جديدة، تطوير البنية التحتية، دعم السياحة البيئية... لكن تنفيذ ذلك يصطدم دومًا بـ:

رفض سلطات الاحتلال منح تراخيص البناء أو التوسعة.
مصادرة الأراضي الخاصة لمصلحة المستوطنات.
هدم الإنشاءات بحجة "البناء غير المرخص".
منع البلديات من تخطيط مناطقها ضمن "ج" بشكل مستقل.

الأمر ذاته يتكرر في الزاوية، حيث تفيد الخطة التنموية بأن 90% من الأراضي المصنفة (ج) تخضع لمخططات هيكلية إسرائيلية، ما يمنع البلدة من استغلال أراضيها في مشاريع تنموية أو إسكانية​.

 

بلديات تخطط تحت الحصار

في كفر الديك وبديا، يظهر شكل آخر من أشكال المقاومة الصامتة عبر التخطيط: المجالس المحلية تُشرك المجتمع في تحديد أولويات التنمية، وتُعِد خرائط، وتُقدم مقترحات للتمويل، وتُنتج وثائق تخطيطية احترافية... رغم علمها المسبق بأن كثيرًا من هذه المشاريع ستُمنع أو تُهدم​،ومن المفارقات أن هذه البلديات تعمل وفق منهجيات معترف بها دوليًا،وتخضع لمراجعات فنية وتقارير متابعة، لكنها لا تمتلك السيادة الفعلية لتنفيذ أبسط مشاريعها، مثل:

إنشاء طرق زراعية في مناطق مهددة بالمصادرة.
ترميم خزانات مياه في أراضٍ مصنفة "خارج المخطط".
تطوير سياحة بيئية في مواقع أثرية تخضع لسيطرة الاحتلال.
ربط مناطق مأهولة بشبكات الكهرباء أو الصرف الصحي.

 

تخطيط بلا تنفيذ... فهل هو عبث؟

قد يُساء فهم هذا النوع من التخطيط كعبث إداري، أو كفعل غير منتج، لكن الحقيقة أن هذه الخطط – رغم معوقاتها – تشكل شكلًا من المقاومة المؤسساتية، وتُراكم وعيًا بالحق في التخطيط، وترفض منطق التهميش والوصاية، بل إن مجرد صياغة خطة محلية في مناطق مستهدفة بالتهويد هو تأكيد على أن الفلسطينيين لا يتعاملون مع أراضيهم كـ "هوامش متنازع عليها"، بل كحيّز سيادي ينبغي أن يُدار بوسائل حضارية، تشاركية، ومنتجة.

 

الاحتلال كفاعل تخطيطي فوقي

الاحتلال الإسرائيلي لا يمنع التخطيط فقط، بل يمارس دورًا مباشرًا كفاعل تخطيطي استعماري، فهو الذي يحدد مناطق البناء، ويُقيد الارتفاعات، ويُقرّ أو يرفض الخطط، ويرسم الجدران بما يُعيد إنتاج الحصار المكاني، ثم يدّعي أن الفلسطينيين يعانون من "نقص في التنظيم"، هذه السياسة لا تُعيق التنمية فقط، بل تُحوّل الحق في التخطيط إلى ملف أمني وسياسي، وتُبقي البلديات في موقع الفعل الإداري دون سيادة تنفيذية.

 

ما العمل؟ نحو حماية دولية للتخطيط الفلسطيني

حتى لا تتحول الخطط التنموية المحلية إلى وثائق أرشيفية، فإن المطلوب هو:

تبني سياسات مركزية لدعم خطط البلديات في مناطق (ج)، وربطها بالتخطيط الوطني الشامل.
دعم البلديات قانونيًا وسياسيًا في مواجهة الهدم والتجميد الإسرائيلي.
تفعيل أدوات الحماية الدولية للبلدات المستهدفة، وتقديم خططها كأدلة موثقة على السياسات الاستعمارية.
تعزيز الشراكات بين المجتمع المدني والسلطات المحلية لتوفير بدائل واقعية لمشاريع مرفوضة من الاحتلال.
الضغط على الجهات المانحة لربط تمويلها بشروط السيادة والعدالة الجغرافية.

 

التخطيط كفعل سيادي

في مناطق مثل دير بلوط والزاوية وبديا وكفر الديك، لا يُمكن فصل التنمية عن الاحتلال، ولا يُمكن إنجاز مشروع دون مقاومة، ولا يُمكن فصل الهندسة عن السياسة، فكل خطة تُعد، وكل خارطة تُرسم، وكل طريق يُقترح، هو إعلان على أن هذه الأرض ليست فراغًا، بل وطن حيّ، يُقاوم، ويُخطط، ويأمل، فالتخطيط تحت الاحتلال ليس ترفًا إداريًا، بل ممارسة سيادية مقيدة، تفتح الأفق في وجه الجدار.