نواجه تحديات مرتبطة بالاحتلال وأخرى بالسلوكيات الخاطئة.. والحل قد يكون بإنشاء المرافق المائية ومعالجة القصور القانوني
رام الله- الحياة الجديدة-عبير البرغوثي- لطالما شكل قطاع المياه في الأرض الفلسطينية، أحد أهم ملفات الصراع الشائكة مع دولة الاحتلال، بسبب الممارسات الإسرائيلية العدوانية التي تحول دون الاستغلال الجيد لمصادر المياه، ففي كتابه "آخر شفّة" الصادر عام ألفين وأحد عشر، وصف الجيولوجي الألماني كليمنس مسرشميد أزمة المياه في فلسطين بالمفتعلة، واعتبرها بأنها سياسية بامتياز. مؤكدا أن فلسطين من البلدان التي تحتوي على مصادر مياه متجددة جيدة في المنطقة.
وتشير الدراسات إلى أن 85% من المياه الموجودة في الخزان الجوفي تحت السيطرة الإسرائيلية؛ أي ما يعادل "500-600 مليون متر مكعب". كما أن 70% من المستوطنات في الضفة تقع على حوض الخزان الشرقي في الضفة، و45% من هذه المستوطنات تقع على مناطق حساسة جدًّا بالنسبة لتغذية الخزان الجبلي في الضفة، وهذه المستوطنات تحتكر بغير وجه حق نسبة كبيرة من المياه الجوفية، لذلك كله يعد ملف المياه ملفًّا سياسيًّا بامتياز يقع في صلب الصراع الوجودي مع الاحتلال الاسرائيلي، وللتعرف على واقع القطاع المائي في فلسطين، كان لنا هذا اللقاء مع رئيس سلطة المياه الوزير زياد الميمي.
وبالعودة بالزمن الى الوراء، يرى الميمي، أن وفرة المياه في فلسطين كانت إحدى الأسس التي بناء عليها اختارت الحركة الصهيونية الأرض الفلسطينية لإنشاء وطن قومي لليهود، حيث كانت تعي أن السيطرة على المصادر المائية تعني السيادة والديمومة لدولة اسرائيل على المدى الطويل في منطقة تعاني من ندرة المياه، وكان الهدف السياسي الموازي هو حرمان الفلسطينيين من حقوقهم المائية، ولتحقيق هذا الهدف، سيطر الاحتلال الاسرائيلي على مدى العقود الماضية على المصادر المائية، بما يشمل نهر الأردن وروافده، وكذلك جميع الأحواض المائية الرئيسية، حيث أدت السياسات الإسرائيلية المائية إلى السيطرة على أكثر من 85% من المصادر المائية في الضفة الغربية للاستخدام الإسرائيلي الحصري، بما في ذلك استخدامها في المستوطنات غير الشرعية".
لم يكتف الاحتلال بالسيطرة على المصادر المائية، بل واصل وضع العراقيل أمام تطوير البنية التحتية للمياه والصرف الصحي للفلسطينيين عبر إجراءات تعسفية ومنافية لجميع القوانين والمعاهدات الدولية، منها على سبيل المثال لا الحصر منع تنفيذ مشاريع البنية التحتية في المناطق "ج" التي تزيد على 60% من مجمل الأراضي الفلسطينية من خلال تعقيدات ومعيقات كاستصدار التصاريح من قبل لجنة المياه المشتركة وما تسمى الإدارة المدنية، فيما لا يُطلب من المستوطنين الإسرائيليين الحصول على مثل هذه التصاريح.
ويضيف الوزير الميمي: "إلى جانب السيطرة والهيمنة، كانت سلطات الاحتلال الاسرائيلي تضع شروطًا مستحيلة أمام مشاريع البنية التحتية، كمشاريع الصرف الصحي التي اشترطت اسرائيل الموافقة عليها بربط المستوطنات بهذه المشاريع، الأمر الذي يعتبر مرفوضا رفضًا مطلقًا، علمًا أن معظم هذه المشاريع تقع في مناطق "ج"، الأمر الذي حرم 62% من الأسر الفلسطينية من الإقامة في مساكن متصلة بشبكة عامة للصرف الصحي، إضافة إلى منع الجانب الفلسطيني من تطوير الآبار الجوفية وتدمير الآبار الزراعية والاستحواذ على جزء كبير من العيون والينابيع، وفرض العديد من التعقيدات والمماطلات للحيلولة دون إنشاء محطات المعالجة التي تخدم المواطنين، وللأسف فإن غزة وحتى ما قبل الحرب وجراء الحصار المتواصل والعدوان الاسرائيلي المتكرر كانت تعاني من أزمة مائية صعبة جراء تلوث أكثر من 97% من مياه الخزان الجوفي الساحلي المصدر المائي الوحيد هناك. ناهيك عن الاستهداف الإسرائيلي لمرافق المياه والصرف الصحي في كل عدوان على غزة، إضافة إلى مشكلة توفير الطاقة اللازمة لتنفيذ وتشغيل المشاريع والبرامج المائية وعلى رأسها التحلية والصرف الصحي في ظل عجز إمدادات الطاقة الذي يعاني منه القطاع".
عطش فلسطيني ورخاء استيطاني إسرائيلي
ويؤكد الميمي: "تباع المياه للمزارع الإسرائيلي بأسعار تقل كثيرًا عن بيعها للمزارع الفلسطيني، الذي يدفع أضعاف ما يدفعه المزارع الإسرائيلي ثمنًا للمتر المكعب الواحد من المياه. وهنا نذكر أيضا المعاناة اليومية للفلسطينيين جراء قلة المياه في فصل الصيف في معظم المناطق، حيث أصبح من المألوف أن تنقطع إمدادات المياه عن بعض المدن لفترات طويلة، ويضطر المواطنون في مثل هذه الحالات إلى التقنين الشديد في استهلاك المياه، ما يؤثر سلبا على أوضاعهم الحياتية اليومية، ويضطر القادرون منهم إلى شراء المياه من موزعين محليين بواسطة الصهاريج وبأسعار باهظة".
تحديات داخلية وإجراءات علاجية
ورغم ما يتسبب به الاحتلال الاسرائيلي من تحدياتٍ أمام القطاع المائي الفلسطيني، إلا أن هناك تحديات أخرى ربما كان الاحتلال سببًا غير مباشرٍ فيها، يوجزها الميمي بالقول: "امتد تأثير الاحتلال الإسرائيلي في منع تطوير قطاع المياه خلال العقود الماضية، على واقع وكفاءة مزودي الخدمات في فلسطين، الذين يقدر عددهم بأكثر من 300 مؤسسة تعمل على تزويد خدمات المياه للمواطنين، وتواجه أغلبيتها إشكاليات متعلقة بعدم امتلاك القدرات المؤسسية اللازمة للقيام بدورها بكفاءة بالإضافة كفاءة البنية التحتية اللازمة بما يضمن إيصال الخدمة لكافة المواطنين الأمر الذي يؤدي الى ارتفاع الفاقد، وضعف كفاءة الجباية والتحصيل.
وعن أدوات المواجهة وسبل الحل، يوضح الميمي: "لمواجهة هذا التحدي الصعب تعمل سلطة المياه على إنشاء مؤسسات ذات كفاءة عالية ومستدامة في إطار قانوني يحدد مهامها والعلاقة بينها بوضوح، ووفقًا للقانون تشمل هذه المؤسسات "شركة المياه الوطنية"، وهي شركة مملوكة لدولة فلسطين، التي ستكون مسؤولة عن إدارة مصادر المياه، حيث تم الانتهاء من اجراءات التسجيل للشركة كشركة مملوكة للحكومة والانتهاء من إعداد الخطة الاستراتيجية وإقرارها من قبل مجلس إدارة الشركة، التي تحدد الرؤية طويلة المدى وأولويات الشركة، كما تم الانتهاء من تطوير خطة تطوير الأعمال لمدة ثلاث سنوات لضمان الاستدامة المالية والتشغيلية".
ويضيف: "تمت إعادة هيكلة دائرة مياه الضفة الغربية وتسكين طواقم دائرة المياه وفق الهيكلية الجديدة لشركة المياه وتطوير الهيكل التنظيمي للشركة واعتماده إلى جانب تطوير الدليل التشغيلي للمرافق الرئيسية، ما يوفر إطارًا واضحًا لحوكمة الشركة وإدارتها التشغيلية".
مليار و800 مليون شيقل حجم المديونية المائية
في السياق نفسه، يكشف الميمي "تم تحديد الاحتياجات ذات الأولوية، بما في ذلك المعدات الخاصة بتقليل الفاقد من المياه، وبدء عمليات الشراء لأولويات الأنظمة بما يسهم في تحسين كفاءة الشركة كما بدأت عملية تقييم أصول الدائرة تمهيدا لنقلها الى شركة المياه، ويجري العمل حاليا على حل مشكلة ارتفاع المديونية على مزودي الخدمات لصالح دائرة المياه التي وصلت إلى ما مجمله مليار وثمانمئة ألف شيقل حتى نهاية عام 2024، حيث تم تشكيل لجنة من جميع هذه الجهات لوضع ودراسة الآليات المقترحة والكفيلة بحل هذه المشكلة بما يشمل تحقيق الفصل المالي من خلال فتح حسابات بنكية خاصة بالمياه في الهيئات المحلية وعدم إقرار الحكم المحلي موازنات الهيئات المحلية إلا بعد عمل جدولة مع سلطة المياه وتشكيل لجنة وزارية لمتابعة تحصيل الدين وتعديل تعرفة مياه الجملة".
وبخصوص غزة، يقول الميمي: "في غزة تم إنشاء وحدة تزويد المياه على مستوى الجملة (نواة شركة المياه الوطنية)، حيث تبذل سلطة المياه جهودًا كبيرة لإنشاء مرافق المياه الإقليمية، ضمن رؤية واقعية تؤدي إلى تقليص العدد الكبير لمزودي الخدمات، بشكل تدريجي من الوضع الحالي إلى مرافق صغرى، أو/و متوسطة، وصولا إلى 4 مرافق مياه إقليمية (3 في الضفة الغربية+ 1 في قطاع غزة)، حيث عملت سلطة المياه على إعداد الخطط اللازمة، وإعداد الإطار العام لإنشائها من الناحية القانونيه بما يشمل إعداد نظام إنشاء مرافق المياه وترخيصها ونموذج النظام الداخلي لمرافق المياه. ونحن نعمل اليوم مع مزودي الخدمات للانتقال وتشكيل بداية مجالس مياه مشتركة كنواة لإنشاء مرافق المياه الإقليمية".
خطوات علاجية حقيقية.. آنية ومستقبلية
ويضيف "يجري العمل على إنشاء 4 مرافق في الضفة الغربية وقطاع غزة (شمال شرق جنين، سلفيت، يطا، شمال غرب القدس ، شمال غرب الخليل، غزة )، هذا الى جانب المتابعة مع مصلحة مياه بلديات الساحل في قطاع غزة لتحويلها إلى مرفق مياه في إطار عملية إصلاح للمصلحة، بما في ذلك عملية نقل خدمة المياه من البلديات إلى مصلحة بلديات الساحل، والإصلاح الإداري والمالي والفني، كذلك بدأ العمل على إنشاء مرفق مياه لقرى شمال غرب جنين، حيث يتم العمل على تحديد الإجراءات الإدارية اللازمة وتوفير الدعم اللازم لا سيما القانوني لإنشاء المرفق، الى جانب العمل على إنشاء بوابة الموازنات الالكترونية لمرافق المياه الاقليمية، ومتابعة انشاء مرفق مياه شمال شرق جنين والخطط اللازمة لإنشاء مرفق مياه اقليمي لشمال محافظة جنين، حيث من المتوقع إطلاق الدعم الفني لإنشاء المرفق في شهر حزيران 2025. كما يتم العمل على تحديث خطة إنشاء مرفق مياه اقليمي لقطاع غزة، ومتابعة ترتيبات نقل خدمة الصرف الصحي من البلديات الى مصلحة مياه محافظة القدس، لمأسسة مرفق مياه إقليمي لمصلحة مياه القدس ضمن رؤية الحكومة وسلطة المياه بإنشاء مرافق المياه الإقليمية، هذا مع مواصلة العمل على تعزيز البناء المؤسسي في إطار إدارة المرافق وتعزيز تقديم الخدمة ضمن مجلس خدمات المياه والصرف الصحي شمال الخليل ودائرة مياه بلدية سلفيت"Water Worx .
ويؤكد: "سلطة المياه هي الجهة القائمة على إدارة وتطوير المصادر المائية، ووضع التشريعات والسياسات والانظمة واعتمادها من قبل مجلس الوزراء إضافة إلى مسؤولية إنشاء وتطوير مؤسسات القطاع ووضع الاستراتيجيات والخطط الهادفة لتظوير القطاع المائي، وشركة المياه هي المسؤولة عن تزويد وبيع المياه بالجملة لمزودي الخدمات من مصالح المياه والهيئات المحلية ومجالس خدمات المياه المشتركة والجمعيات، أما مزود الخدمة فهو المسؤول عن تزويد المياه وتقديم وتطوير الخدمات للمواطن، أما مجلس تنظيم قطاع المياه فهو مسؤول عن مراقبة أداء موزدي الخدمات".
مديونية قطاع المياه ليست التحدي المالي الوحيد
وعلى صعيد التحديات المالية، يكشف الميمي "يواجه قطاع المياه أيضا تحديات مالية، وخصوصا في ظل الوضع الاقتصادي الاستثنائي الذي نعيشه، وتتمثل هذه التحديات في ارتفاع التكلفة الرأسمالية والتشغيلية لمرافق المياه والصرف الصحي، ومحدودية الموازنة التطويرية لقطاع المياه التي تقف عائقاً أمام إمكانية تنفيذ المشاريع والبرامج، إلى جانب تراكم الديون على البلديات والهيئات المحلية".
ويتابع "هنا نذكر أيضًا يخصم الجانب الاسرائيلي أثمان المياه المترتبة على الحكومة الفلسطينية مباشرة من المقاصة، كما تقتطع اسرائيل رسوم بدل معالجة مياه الصرف الصحي المتدفقة من الضفة الغربية بما يفوق 128 مليون شيقل سنويًّا من أموال المقاصة، ما يؤدي إلى عجز في موازنة خزينة الدولة الذي يؤثر سلبًا على استدامة الخدمات الاساسية للمواطن، إلى جانب الاعتماد بشكل أساسي على التمويل الخارجي، بالتوازي مع التغير الحاصل في أولويات المانحين بسبب التطورات السياسية في المنطقة والعالم".
تحديات داخلية!
إلى جانب التحديات المرتبطة بشكل مباشر أو غير مباشر بالاحتلال، هناك بعض التحديات الاجتماعية التي يواجهها قطاع المياه على رأسها موضوع التعديات على مصادر وخطوط وشبكات المياه، التي تفاقم من الوضع المائي الصعب الذي يعيشه المواطنون وخصوصًا في المحافظات التي تقل فيها المصادر المائية كمحافظة الخليل، الأمر الذي يتطلب تكاتف الجهود لمحاربة هذه الظاهرة، المرفوضة دينيًّا وأخلاقيًّا ومجتمعيًّا، "ومن جانبنا، فإن طاقم الرقابة المائية لدى سلطة المياه يعمل وبشكل متواصل بالتعاون مع الجهات ذات العلاقة على رصد وكشف المخالفات وتوثيقها وإعداد تقاريره بشأنها، وتتم متابعة هذه التعديات مع الجهات المختصة لإتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة بحق المخالفين" يقول الميمي.
85% من مرافق المياه والصرف الصحي في قطاع غزة خرجت عن الخدمة
وحول أبرز الإحصاءات الأولية لخسائر القطاع المائي في قطاع غزة جراء حرب الإبادة، يكشف الميمي: "لم يتردد الاحتلال منذ اليوم الاول للعدوان أن يستخدم المياه كعقاب جماعي وسلاح موجه ضد أبناء شعبنا في غزة، فكما تعلمون أن الاحتلال في بداية العدوان اتخذ قرارًا بوقف إمدادات المياه عن القطاع من خلال نقاط التزود للمياه المشتراة من شركة "ميكروت"، وحتى بعد استرجاعها كان يعي أنه من خلال الاستهداف الممنهج للبنية التحتية ومنع دخول الوقود اللازم لتشغيل المرافق المائية فإن الاستفادة من هذه الكميات يحتاج إلى جهود مضنية لتوصيل المياه للمواطنين".
ويضيف: "وحتى نقدم حقائق عامة عن حجم الأضرار فلاحقًا لوقف إطلاق النار في كانون الأول الماضي، باشرت طواقمنا العمل على حصر الأضرار التي تكبدها القطاع المائي على الأرض، كخطوة أساسية لإعداد خطة التعافي المبكر لمرحلة الستة شهور ما بعد وقف اطلاق النار والتي أعدتها سلطة المياه نهاية كانون الثاني/2025 وباشرت بتنفيذها، كجزء من خطة الطوارئ الحكومية للمحافظات الجنوبية - المرحلة الأولى، التي تشرف على إعدادها وتنفيذ تدخلاتها غرفة العمليات الحكومية المشكلة من مجلس الوزراء. وقد أظهرت التقييمات الأولية للأضرار حتى تاريخ وقف اطلاق النار، أن أكثر من 85% من مرافق وأصول المياه والصرف الصحي خرجت عن الخدمة بشكل كامل أو جزئي وتحتاج إلى إعادة تأهيل بما يتجاوز المليار ونصف المليار دولار، فقط للمناطق التي تم حصر الأضرار بها رغم الصعوبات جراء تراكم الأنقاض والركام، ويشمل ذلك محطات معالجة الصرف الصحي، ومحطات تحلية المياه، ومحطات الضخ، والآبار، وخزانات المياه، وخطوط النقل الرئيسية، وشبكات المياه والصرف الصحي وتصريف مياه الأمطار، ومختبرات الرقابة على المياه، وغير ذلك. ويعود ذلك أساسًا إلى الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية، وانقطاع التيار الكهربائي التام واللازم لضخ المياه من الآبار وتشغيل المرافق المائية ذات العلاقة والقيود المفروضة على توفير الوقود والمواد اللازمين لتشغيله".
"أدى هذا الدمار الهائل إلى نسف جميع الجهود التي بذلتها الحكومة الفلسطينية وباستثمارات فاقت المليار دولار على مدى سنوات عديدة لتفادي الكارثة التي كانت تحدق بغزة جراء ملوحة وتلوث 97% من مياه الخزان الجوفي المصدر المائي الوحيد هناك. وبالتالي تراجعت معدلات التزوّد بالمياه لما معدله 3 – 5 لترات للفرد في اليوم، وهي نسبة أقل من الحد الأدنى المطلوب للبقاء على الحياة في حالات الطوارئ وفقا لمؤشرات منظمة الصحة العالمية والمقدرة بـ 15 لترًا للفرد في اليوم.
أما قطاع الصرف الصحي، فقد تكبد أيضا خسائر فادحة، حيث كان قبل الحرب يشمل مرافق وبنى تحتية متكاملة من مرحلة التجميع والضخ وحتى النقل والمعالج، ويغطي النظام حوالي 73% من سكان القطاع ببنية تحتية تشمل شبكة مختلفة الأقطار تقدر طولياً بحوالي 2.250كم، و79 محطة ضخ، و29 حوض تجميع مياه أمطار مرتبطة بثماني محطات ضخ لمياه الأمطار، إضافة إلى خمس محطات معالجة لمياه الصرف الصحي بقدرة تصميمية تصل إلى 154.600 مترًا مكعبًا يومياً. فحتى تاريخ وقف إطلاق النار كانت جميع محطات الصرف الصحي متوقفة عن العمل، نتيجة الأضرار الكبيرة التي تعرضت لها، التي لا تزال بحاجة إلى تقييم مفصّل، كما تضررت الشبكات بشكل كبير، حيث دُمّر 1545 كيلومترًا بشكل كامل و8.6 كيلومتر بشكل جزئي، كما تم تدمير 47 محطة ضخ مياه صرف صحي، منها 20 محطة دُمّرت بشكل كلي و27 محطة بشكل جزئي، هذا التدمير أدى إلى تدفق المياه العادمة في الشوارع والأحياء المأهولة، ما شكّل تهديدًا كبيرًا للصحة والبيئة"، حسب الإحصاءات التي أدرجها الميمي في سياق اللقاء.
جهود تحت سيوف العدوان
واصلت سلطة المياه العمل خلال فترة العدوان العمل الإغاثي وتنفيذ التدخلات العاجلة بالشراكة مع مختلف الشركاء لتوفير ما أمكن أيضا من المياه، وتدارك مخاطر فيضانات المياه العادمة، من خلال إصلاح البنية التحتية اللازمة من خطوط رئيسية ومضخات وخزانات لإيصال المياه بما في ذلك محطتا تحلية الجنوب والوسط ونقاط التزود الثلاث من شركة "ميكروت" والآبار الجوفية العاملة إضافة إلى توسعة الاستفادة من نقاط التزود بمياه "ميكروت" لإيصال المياه لمناطق مختلفة بما يتلاءم مع حجم الضغط والطلب كان آخرها ربط بلدية القرارة بشبكة مياه ميكوروت ليستفيد منها أكثر من مئة ألف نسمة.
"وتم إنشاء نقاط تزود بمياه "ميكروت" بالشراكة مع اليونيسف لتوفير المياه للنقل بالصهاريج إلى المناطق التي لا تصلها المياه، وتوسيع عمليات نقل وتوزيع المياه بالصهاريج وخصوصا في غزة وشمالها عبر الشركاء، وتوفير ما أمكن من الوقود اللازم لتشغيل المرافق المائية من آبار ومحطات تحلية ومحطات ضخ مياه عادمة، إضافة إلى دعم تشغيل وصيانة مستمرة لمحطات التحلية في الوسط والجنوب بما يشمل توفير الوقود وتوريد قطع الغيار والمولدات وزيادة سعة نظام الطاقة الشمسية وغيرها من التدخلات من خلال مشروع تحسين إمدادات المياه، المنفذ عبر اليونيسف بتمويل من الاتحاد الأوروبي كما تم العمل على إعادة تأهيل وتفعيل مجموعة من الآبار المركزية والهامة التي كانت قد تضررت بشكل جزئي أو كلي"، يقول رئيس سلطة المياه.
ويضيف: "تم دعم تشغيل الآبار الثانوية ذات القدرات المحدودة (آبار خاصة) لتغذية عدد من المناطق التي لا يمكن أن تصلها المياه من أية مصادر أخرى، وكذلك دعم وتشغيل محطات التحلية الخاصة بالوقود والمواد الكيميائية لإيجاد ما أمكن من مصادر المياه للمواطنين، مع العمل على توفير مواد وقطع غيار ومعدات لصيانة شبكات الصرف الصحي، بما يشمل أنابيب الصرف الصحي بأقطار مختلفة وملحقاتها من محابس وغيره ومتابعة أعمال صيانة خطوط شبكات الصرف الصحي، وتعزيز البنية التحتية الخاصة بالصرف الصحي لمراكز الإيواء".
ويقول: "تم العمل على تنفيذ تدخلات الاستجابة الطارئة من خلال اليونيسف وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي UNDP بقيمة 9 ملايين دولار ضمن إعادة هيكلة مشروع الأعمال المصاحبة الممول من البنك الدولي لتوفير مياه الشرب في المناطق المختلفة عن طريق إنشاء نقاط للتزود بالمياه وتوفير الصهاريج لنقل المياه وتوزيعها في أماكن تواجد السكان والنازحين، بالإضافة إلى توفير عدد من الطرود الصحية التي تستهدف 46 ألف أسرة، وعدد 300 خزان مياه سعة 5 أمتار مكعبة، و20 ألف عبوات مياه حجم 10 لترات، وهنا نذكر التقييم الفني المبدئي لعدد من مرافق المياه والصرف الصحي الرئيسية بما في ذلك الخزانات ومحطات معالجة مياه الصرف الصحي ومحطات الضخ وتنسيق ومتابعة جهود حصر الأضرار من المؤسسات المختلفة بالتنسيق مع مزودي الخدمات لتحديد الاحتياجات اللازمة لإعادة تشغيل منشآت المياه والصرف الصحي، كما قمنا بتنفيذ أعمال صيانة طارئة لوصلات المياه وخطوط الصرف الصحي بالتنسيق مع مصلحة مياه بلديات الساحل ومزودي الخدمات، إضافة إلى تنسيق إدخال المواد والحصول على التصاريح اللازمة للأفراد والمعدات ومواقع العمل لتشغيل وصيانة المرافق والبنية التحتية للمياه والصرف الصحي، وكذلك تنفيذ أعمال الصيانة الخاصة بالمخزن الرئيسي الخاص بمصلحة المياه وسلطة المياه في جنوب قطاع غزة".
ويضيف: "تعمل سلطة المياه منذ بداية العدوان على دعم وتنسيق جهود الجهات المانحة ومؤسسات الأمم المتحدة والمؤسسات الإنسانية لتوفير الدعم اللازم لقطاع المياه والصرف الصحي، ويشمل ذلك إعداد واعتماد خطط الاستجابة الطارئة وخطط التعافي وإعادة الإعمار لقطاع المياه والصرف الصحي ومتابعة تنفيذ مشاريع توريد محطات التحلية مسبقة التجهيز في مناطق قطاع غزة ومتابعة تنفيذ مشاريع التدخلات العاجلة الخاصة بتأهيل الآبار المتضررة في قطاع غزة بشكل جزئي وتنفيذ أعمال الصيانة المطلوبة ومتابعة وتنسيق جهود وأعمال ومشاريع نقل المياه بالصهاريج مع المؤسسات العاملة المختلفة عن طريق اختيار مناطق الاستهداف، ومتابعة إعداد وتوريد واعتماد مواد وقطع غيار ومعدات لصيانة شبكات المياه، كما تم دعم قطاع جمع وتصريف مياه الامطار بما في ذلك برك التجميع الرئيسية عن طريق تنسيق إدخال المواد الخاصة بأعمال الصيانة الخاصة بها وتوفير التنسيق الخاص بالعاملين والمعدات ومواقع العمل، وكذلك التحضير لمواسم الأمطار بما يشمل عمل الصيانات والاصلاحات الطارئة اللازمة لخطوط الصرف الصحي وسيل مياه الامطار، وتحديث خرائط المناطق الحرجة والأكثر عرضه للفيضانات في كامل قطاع غزة، بالتنسيق مع الشركاء، لأخذ الإجراءات الضرورية للحد من مخاطر الفيضانات، هذا وتم إعداد مقترحات لإعادة تفعيل المشاريع القائمة لسلطة المياه للاستفادة من التمويل المتوفر ضمن المشاريع لتنفيذ عدد من الأنشطة التي تخدم في تحقيق الأهداف الرئيسية للمشاريع بما يدعم في الوقت ذاته الجهود الإغاثية وجهود الإنعاش المبكر وإعادة الإعمار لقطاع المياه والصرف الصحي".
ويواصل الميمي تشخيص المشكلة الغزية الطارئة بسبب حرب الإبادة، ويوضح: "أدى التهجير القسري إلى زيادة الضغط على مصادر المياه ومرافق الصرف الصحي في مناطق محددة، وتدمير مقرات العمل الخاصة بسلطة المياه بالإضافة إلى تدمير مخازنها الرئيسية الخاصة بقطع الغيار والصيانة، واستهداف المخازن والمواد والمعدات والآلات الخاصة بمقدمي الخدمات المحليين، مثل استهداف المستودع المركزي لمصلحة مياه بلديات الساحل، إضافة إلى الدمار الكبير الذي لحق بالبنية التحتية للمياه والصرف الصحي وصعوبة ادخال الوقود كأساس لتشغيل المرافق، إضافة إلى إيقاف توريد قطع الصيانة اللازمة والمواد الضرورية، ومؤخرا وبعد قرار اسرائيل منع ادخال المساعدات أصبح الوقود شبه معدوم في غزة، بالتوازي مع نفاد المواد الإنشائية من السوق المحلي، إضافة إلى الصعوبة الناجمة عن تراكم الأنقاض والدمار الكبير في البنية التحتية".
مشاريع في الضفة وغزة.. بالتوازي
على الرغم من الواقع الصعب الذي يواجه قطاع المياه، ارتكز عمل سلطة المياه على النهوض بهذا القطاع الحيوي، بالإضافة إلى جهد دبلوماسي لتوظيف المنصات الإقليمية والدولية لاسترداد الحقوق المائية، ويقول الميمي: "بالتوازي مع تواصل العمل في غزة إدراكًا للوضع الإنساني الصعب الذي يعيشه أهلنا هناك، فإننا أيضا نعمل على تنفيذ عدة مشاريع استراتيجية أهمها في الضفة، لكل منها انعكاسات كبيرة على الأرض في تطوير خدمات المياه والصرف الصحي في المناطق الأكثر حاجة ومنها على سبيل المثال لا الحصر استكمال تنفيذ مشروع ادارة المياه العادمة في الخليل الذي يعتبر مشروعا مهمًا لمعالجته العديد من المشاكل البيئية والاجتماعية والصحية الناتجة عن تدفق المياه العادمة، ووقف الخسائر المالية الناتجة عن اقتطاع 63 مليون شيقل سنويا من المقاصة بحجة معالجة هذه المياه العادمة العابرة للحدود، كما أنها ستمكننا من ايجاد مصدر مياه غير تقليدي للاستخدامات الزراعية، والمقدرة بحوالي 23 الف كوب يومياً، وتتمثل أهم انعكاسات المشروع بحماية طبقات المياه الجوفية وبالتالي إمدادات المياه من حوض المياه الجوفي الشرقي في محافظتي الخليل وبيت لحم، وتصل قيمة المشروع الإجمالية بكامل مكوناته في المرحلة الاولى الى 60 مليون دولار بما يشمل بناء القدرات والتشغيل والصيانة، كما يشمل المشروع تنظيف مجرى وادي السمن من المياه العادمة والمساهمة في تأهيله ليعود مجرى مائي صحي يخدم سكان المنطقة، وحاليا يجري العمل لايجاد حلول أمام العقبات القائمة أمام المشروع وبتدخل مباشر من رئاسة الوزراء وعلى رأسها مشكلة محاجر الربو، وتنفيذ الالتزامات للمجتمع المحلي، وتنفيذ كامل مكونات المشروع".
ويتابع: "وتم البدء البدء بمشروع انشاء محطة معالجة طولكرم الذي يهدف إلى إيقاف الاقتطاعات الإسرائيلية المقدرة بنحو 27 مليون شيقل/ سنة ووقف التلوث الحاصل جراء فيضان المياه العادمة وخصوصًا في وادي الزمر، كما سيعمل على توفير مصدر مائي للزراعة يقدر بـ 7.3 مليون متر مكعب سنويا، ويقع المشروع في الجزء الشمالي الغربي لمدينة طولكرم لخدمة المدينة والتجمعات السكانية في مخيمي طولكرم ونور شمس، وكذلك يخدم قرى اكتابا، كفر اللبد، بلعا، عنبتا، رامين، بيت ليد، وشويكة ومنطقة واد التين ليصل عدد المستفيدين من المشروع حوالي (140) ألف نسمة في محافظة طولكرم، كما سيسهم المشروع في توفير المياه لزراعة حوالي 9000 دونم في الناصرية – بيت حسن – الجفتلك، مما يوفر 1600 فرصة عمل وانتاج غذائي يصل الى 7000 طن سنويا وبالتالي تحسين الوضع الاجتماعي والاقتصادي للمنطقة، ويعزز صمود أهالي هذه المناطق، هذا وتبلغ كامل تكلفة المشروع حوالي 120 مليون دولار".
" وحاليا يتم العمل على مشروع الصرف الصحي شمال شرق رام الله الذي سيخدم 14 تجمعا سكنيا شمال شرق رام الله أغلبيتها تعاني من مشاكل في الصرف الصحي منها (عين سينيا، جفنا، مخيم الجلزون، سردا، عطارة، أبو قش، يبرود، عين يبرود، دورا القرع، سلواد، بيرزيت، المزرعة الشرقية، مخيم سلواد، جلجليا)، وتبلغ تكلفة المشروع 58.5 مليون دولار (40 مليون دولار في المرحلة الأولى لإنشاء المحطة والشبكات) و18.5 للمرحلة الثانية الخاصة باعادة الاستخدام، وتم توفير التمويل اللازم للمرحلة الاولى منها 20 مليون كقرض من بنك الاستثمار الأوروبي، والـ 20 مليون الاخرى منحة من الاتحاد الأوروبي، كما تم التوافق على الأرض التي ستقام عليها المحطة وتخصيصها للمشروع، ويهدف المشروع إلى حماية البيئة، كما يهدف إلى التخلص من مشاكل التلوث الحاصل والتخفيف من معاناة هذه التجمعات جراء فيضانات المياه العادمة، وحماية المصادر المائية من خطر التلوث بالمياه العادمة، إضافة إلى ايجاد مصادر بديلة للزراعة"، يوضح د. الميمي .
إلى جانب ما ذكر، هناك مشروع نظام تزويد المياه على مستوى الجملة يشمل تمديد الشبكات وتركيب المضخات وانشاء الخزانات اللازمة من نقطتين للتزود من شركة "ميكروت" الأولى من نقطة تزود عابود في محافظة رام الله، حيث ستخدم حوالي 28 تجمعا يقطنها حوالي 180 ألف نسمة، بطاقة انتاجية تقدر بحوالي 25،500 م3 يوميا، وبتكلفة 37 مليون دولار، بتمويل من الوكالة الفرنسية والاتحاد الأوروبي، أما الثانية من نقطة تزود جنين في محافظة جنين، حيث ستخدم حوالي 15 تجمعا يقطنها حوالي 120 ألف نسمة بتكلفة 23 مليون دولار، وستعمل على ضخ مياه اضافية من وصلتي سالم والجلمة باتجاه الخزان الاقليمي في قباطية بطاقة انتاجية تقدر بحوالي 11،000 م3 يوميا، بالإضافة إلى 5،000 م3 يوميا من بئر جنزور بتمويل من البنك الدولي ووكالة التنمية الألمانية".
جهود بلوماسية
ويختتم د. الميمي: على صعيد الجهد الدبلوماسي، لا يقتصر الدور فقط على سلطة المياه، فقد أوعز الرئيس محمود عباس الى مجلس الوزراء لوضع ملف المياه على رأس اولوياته، ونحن في سلطة المياه أيضا بدورنا فإننا نوظف جميع المنصات الإقليمية والدولية للمطالبة بوقف الانتهاكات المائية الاسرائيلية، ورصد هذه الانتهاكات، ومؤخرا أصدرنا نداء عاجلا للمقررين الخاصين بحقوق الانسان وحق الانسان بالمياه والصرف الصحي، لتسليط الضوء على جرائم الاحتلال باستخدام المياه كسلاح موجه ضد أبناء شعبنا والمطالبة بالتحرك العاجل لوقف هذه الجرائم".