الشاعر الشهيد والشاهد سليم النفار

استشهد الشاعر والروائي الفلسطيني سليم النفار، رفقة زوجته وبناته ليلى ولمى وجمانا وابنه الوحيد مصطفى، وشقيقه سلامة وزوجته وأولادهما السبعة، جراء غارة جوية "إسرائيلية" استهدفت منزله في حي النصر بمدينة غزةوما زال الجميع حتى يومنا هذا تحت الأنقاض.
"رحل سليم النفّار مبكرًا، أخذته الحرب فيما أخذت ممن نحب، استشهد يوم الخميس في السابع من كانون الأول، في اليوم الثاني والستين للعدوان الذي تشنّه قوات الاحتلال على شعبنا في قطاع غزة... قصفت الطائرات البناية التي يعيش سليم في غرفة صغيرة أسفلها، بعد أن ترك شقّته إثر تعرض المربع السكني الذي يعيش فيه للقصف أكثر من مرّة... اختفى سليم تحت الركام، ولم يتيقن أحد ممّا حدث.
سيرة شهيد ما زال عائباً
تعود أصول الشاعر سليم مصطفى النفار إلى مدينة يافا، التي هاجرت عائلته منها عام 1948. ولد في 27 أغسطس/آب 1963 في مخيم الشاطئ في مدينة غزة، وانتقل للعيش في الأردن إثر إبعاد الاحتلال لوالده عام 1968، ثم إلى مخيم الرمل بالقرب من مدينة اللاذقية في سوريا بعد أحداث 1970. استشهد والده في لبنان عام 1973. تلقى تعليمه المدرسي في مدينة اللاذقية، ودرس الأدب العربي في جامعة تشرين، وأسس هناك ملتقى «أبو سلمى» السنوي للمبدعين الشباب سنة 1986، كَتب الشعر مبكرا، وكان ناشطا سياسيا في صفوف منظمة التحرير الفلسطينية، حتى عودته إلى غزة مع السلطة الوطنية الفلسطينية في عام 1994. وساهم في تأسيس جمعية «الإبداع الثقافي» في غـزة سنة 1997. عمِل مديرا في وزارة الثقافة الفلسطينية، كما كان محررا أدبيا في مجلة «نضال الشعب» ومجلة «الزيتونة» ومجلة «الأفق» ومثّل فلسطين في مهرجانات شعرية في بغداد وجرش والدوحة وأسكتلندا والقاهرة وغيرها. وكان عضوا سابقا في الأمانة العامة لاتحاد الكتاب والأدباء الفلسطينيين.
كتابات صدرت للشهيد
أصدر النفار عدة مجموعات شعرية منها: «تداعيات على شرفة الماء» 1996. «سور لها» 1997. «بياض الأسئلة» 2001. «شرف على ذلك المطر» 2004. «حالة وطن وقصائد أخرى» 2014. «الأعمال الشعرية الناجزة» 2016. «حارس الانتظار» 2021. كما أصدر سيرته الذاتية في كتابين: «هذا ما أعنيه» 2004 و«ذاكرة ضيقة على الفرج» 2020. وكتاب نثري بعنوان «غزة» 2014، بالإضافة إلى روايتين: «فوانيس المخيم» 2017 و«ليالي اللاذقية» 2022.
تناول شعره العديد من النقاد والدارسين، وهناك رسالة ماجستير للباحثة دعاء عابد بعنوان «سيمياء الحزن في شعر سليم النفار» بالإضافة إلى عشرات الأبحاث المحكمة، وتناوله في مباحث مختلفة على مستوى فلسطين في الجامعات. كما أقرّت وزارة التربية والتعليم الفلسطينية قصيدته «يا أحبائي» في منهاج التعليم للصف الثالث الإعدادي.
شهادة إبداعية
في شهادة إبداعية له بعنوان «تجربتي الشعرية.. صيدٌ لا يُشبعُ» يقول: «لا تصدقوا بأن أحدا ما ممن أُبتلي بداء الكتابة، أنه استطاع الإحاطة بكل شيء، أو أنه استطاع كتابة ما يطمح إليه، أو ما يريد تماما، فالكتابة هي كرة النار المتدحرجة التي تسعى دائما لالتهام المزيد من الستائر المحيطة بها، بكَ لإيصال اللهب حيث تنطفئ الفكرة، ويخمد الإحساس بين الضلوع، مُشعلا بياض الورق.
في خضم البحث عن صيدٍ شهي لا يُشبع، تعلمتُ ألا أنحاز لهذه السمكة أو تلك، فالجدوى هي في الصيد، هل تصيد أو لا تصيد، وفي الشعر ليس مهما عندي أن أكتب موزونا أو غير موزون ـ على الرغم من حبي للإيقاع ـ فأنا مع تجاور الأشكال، وأنا منحاز لجمالية النص ولمحموله الذي يستطيع إيصال لسعة للمتلقي. والنص أيا كان شكله إذا لم يستطع إيصال لسعة، سيبقى عاجزا وفاشلا عن تسميته صيدا شهيا لا يُشبع".
في أحد لقاءاته قال: «إن القصيدة الشهية لم أصطدها بعد، والشعر يجب أن يحمل رسالة، لتصل إلى المتلقي، وإنه منحاز لجمالية النص أيا كان شكله». وأضاف «إن ذهابه لكتابة السرد يعود إلى أن هناك تفاصيل كثيرة في الحياة الفلسطينية لا يتسع الشعر لها".
من نصوصه الأخيرة
ثمة طريق
"هلْ أدركتَ ما مضى، أيّها الفتى الموَّزعُ في صفحات التاريخواحدةٌ صفراءَ كلون الصّبح، المُغبرّ بريح الحكام الفاشلين، واحدةٌ حمراءَ كلون الدَّمِ، المسفوحِ على جنباتِ القضايا الخاسرة، من قُضاتها الفاسدين، الغارقينَ بتأويل الخسارة واحدةٌ بلا لونٍ، يكتبها الطغاةُ كيفما شاءوا، مُبرّرين سطوتهم على الآخرين، لاحتكار الفرح على طريقتهم، يخفونه في أزقتهم البعيدة
هلْ أدركتَ أيّها الفتى أنْ لا صفحةَ لكَ، غير ما يخُطه مداد قلبكَ أنتَ؟
لا تكترث بكلِّ ما يُثارُ حولكَ، حصّن قلاعكَ، أعلي شراعكَ، بحبٍّ لا ينكسر، فإنَّه دربك الوحيد للحفاظ على الحياة، حياتك أنتَ، لا حياتهم".
مواضيع ذات صلة
في الذكرى الأربعين: ماجد أبو غوش.. الأثر الذي لا يزول
في تأبين الشاعر ماجد أبو غوش...
اتحاد الكتاب والأدباء: معين بسيسو حنجرة غزة التي لا تموت
الهوية الفلسطينية في معرض القاهرة الدولي للكتاب.. حضور يتجدد عبر الكلمة والفن
أساتذة لغة عربية وتاريخ: طه حسين ظُلم في أزمة "الشعر الجاهلي"
حين تصبح الكتابة نجاة.. قراءة في كتاب "ذاكرة العدوان" لبيسان نتيل
"الشاعر في رؤى نفسية" لوحيدة حسين