عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 23 آذار 2025

البلطة.. والبلوطة!

تغريدة الصباح- حسن حميد

-1-

أجل، قبل ساعة واحدة كانوا يحلمون بصباح جديد.

أن يرفعوا المزيد من أنقاض البيوت كي يستعيدوا ما لهم من الأبناء والآباء والأمهات والإخوة الذين صمتوا، وكفوا عن الحركة حين ارتجت البيوت ومالت، ثم هوت فوقهم في إطباقة واحدة، ثم هوت فوق هذه الفوق قنابل وصواريخ جديدة لطائرات ال F16 المتلاحقة مثل كتل الهواء الأصفر المسموم؛ كانوا سيفرحون لو وجدوا أهليهم  تحت الأنقاض ويتعرفون إليهم من قمصانهم، وأحذيتهم، وما تبقى من شعرهم، كانوا سيكفنونهم بملاءات اللحف، أو البطانيات، وفي انتباهة مستلة من الخيال، كانوا سيبكون بكاء شبوبا مثل نار شبوب.

ولأن ليس بين أيديهم، وأمام بصرهم، سوى العظام، سيتكلمون معهم تمتمة، ويلمسونهم بأطراف أصابعهم، وينادونهم واحدا واحدا، وقد عرفوهم حقا، وسيحملونهم بكل المهابة والجسارة للمقبرة، وهم يرجون الله أن يجدوا لهم مطرحا، حتى لو كان ضيقا، سيحفرون، ويبللون تراب قبورهم بالدموع، يا الله ما أكثر دموع الفلسطينيين، وسيعاتبونهم على الرحيل المبكر، وسيعتذرون إليهم لأنهم جاؤوا بهم إلى منزلهم الأخير من دون طقوس، من دون كلام، سيعتذرون لهم عن غياب اللاحد/ الملقن، وغياب الأهل والجيران لأنهم جميعا.. رحلوا! سيعتذرون لهم على تأخرهم في رفع السقوف، والحيطان، وأشجار البيوت، ونوافذها، وأبوابها من فوقهم.. لأن  الطائرات والقنابل والصواريخ والخوف والطرد والحقد والنيران والركام الثقيل.. كلها حالت دون ذلك، وسيرتبون عظام أجسادهم بأناة، الجمجمة في مكانها، والعمود الفقري، والذراعان، والساقان، والقدمان.. في مكانها تماما، سيتفقدون عظام الصدر، والكفين، والقدمين، والأسنان، يا للأسنان، بها سيميزون عبودة ابن الثماني سنوات، من وديعة ابنة الشهور الأربعة، ورشيد ابن الثلاثين سنة، عن جده شتيوي الذي عاش مؤخرا بالأسنان الاصطناعية، وسيعتذرون، قبل إهالة التراب عليهم، بأنهم قصروا في تغسيلهم، وتعطيرهم، وتقبيلهم، يا الله حتى وداعهم..صار ليس كالوداع!

-2-

أجل، قبل ساعة واحدة، قبل هذه الارتجافة للبيوت، والشوارع، والخيام، والأمكنة التي سموها بالطارئة، قبل أن تطير أرواحهم مثل طيور أخطأها الرصاص، كان الكبار منهم قد تواعدوا على فعل كذا وكذا وكذا، وكان الصغار قد أعدوا اخبارهم وحكاياتهم وأحلامهم كي يقصوها على أترابهم، سيقولون لهم بأنهم تسحروا ليلة أمس أحلى سحور، زبدية شوربة عدس، وبصل، وزيتون، سيقولون لهم علينا أن نساعد أهلنا والجيران بالبحث عن أولادهم تحت ركام البيوت، وسوف يتلاومون لأنهم لم يتذكروا ماذا كان يلبس سامي وعياش وفريد، وسيقص كل واحد منهم ، عند الصباح رحلة المنفى من بلدة إلى أخرى، ومن جهة إلى أخرى، والانتقال من بيت له حيطان وباب ونافذة وسقف، إلى خيمة لا حيطان لها، ولا سقف ولا باب ولا نافذة، وسيزفرون حيارى لأن لا فرق في الحرب بين بيت من حجر وخيمة من قماش، مادامت الخاتمة هي الحرق والدمار والموت.. والأنقاض! ولن يلعبوا لعبة (إسرائيلية وفدائية) ، ولا لعبة (سبعة حجار)، ولا (لعبة القواميع)، ولا لعبة (السجان والسجين)، ولن يعيدوا تمثيل محاكمات المعتقلين: أتعترف بأنك فعلت وفعلت وفعلت؟ نعم، فعلت هذا، وهو قليل، من أجل فلسطين!

والصبايا، وحالما يستيقظن، سيشكرن الله، لأن الحرب لم تأخذ منهن ذراعا أو عينا، أو رجلا، وسيبتسمن فرحات إن وجدن ماء في البراميل ليغسلن وجوههن قبل الذهاب إلى المدارس الجديدة: مدارس الخيام، ومدارس الحيطان الواقفة من دون سقوف، ومدارس الظلال المديدة تحت الأشجار، والآباء سيقولون في غبشة الفجر: (اصطبحنا، واصطبح الملك لله) وهم يعدون خطاهم للذهاب إلى أمكنة العمل راجين الرزق والسترة والكرامة..والافلات من الرصاص الإسرائيلي.

-3-

أجل، قبل ساعة واحدة، وقبل أن يرتج المكان، وتحتشد السماء بالطائرات الإسرائيلية وتتساقط القنابل في كل الأنحاء والاتجاهات، وقبل أن يتعالى الصراخ والضجيج، وتنداح الأسئلة.. كانت الأحلام ، بعضها يتكور على بعضها الآخر طلبا لبهجة الحياة، بعد شهور وشهور من الفقد، والحزن، والعزلة، والخوف، والجري في الدروب الموصلة للمشافي والمقابر والوهم بأن الأماكن آمنة، وكانت الأمهات نائمات نومة الذئب، وهن يفكرن من أين يوفرن لأولادهن الصائمين (عرام) رز، أو برغل، أو طاسة طحين يصنعن بها طبق عجة أشقر اللون.

-4-

قبل ساعة واحدة فقط، وقبل هذا المشهد، والصراخ، والتنادي، والأسئلة، كان الهدوء رجلا، وشجرة، كان مدرسة طارئة، ومشفى يشكو، وهديل حمام مبحوحا، وسوقا همت أن تفتح بواباتها وعرائشها.. لكن الآن كل الأخبار والقصص، والحكايات، والأحلام تعلقت بالخبر الطالع، والصرخة الصارخة: الشهداء، الشهداء!

ولا ترجيع لجواب سوى قولة الناس: معليش، ضربة واحدة لبلطة، لا توقع  بلوطة أبدا!

[email protected]