الفنان باسل المقوسي: لا استطيع أن أرسم رائحة الشهداء

أجرى الحوار: محمود بركة
يرسم على وجه طفلٍ صغير طائرا محلقا بجناحيه؛ طفل مغمض العينين مستسلما لمخيلته مثل عشرات الأطفال الذين دربهم على مدار سنوات ماضية على الحلم.
في يوم الثقافة الفلسطينية، تم اختياره شخصية العام الثقافية للعام الجاري، لدوره في "تعزيز مفهوم الفن المقاوم، والفن من أجل توثيق الحياة الفلسطينية ويومياتها وهمومه"، حسب بيان وزارة الثقافة أنه الفنان التشكيلي والمصور الفوتغرافي الغزي باسل المقوسي.
وفي هذه المناسبة كان لـ "الحياة الجديدة" معه هذا اللقاء:
"رائحة الشهداء لامثيل لها،لا أستطيع حتى الاَن أن ارسمها، هي كل ما يحيط بنا من ذكريات وأيام ولحظات قضيناها بحبهم.
خرجت أبحث عن الشهداء، بهذا الوصف يُصور بابلو نيرودا جزءا من حياته، في غزة خرج باسل المقوسي ليبحث ويرسم رائحة الشهداء, فبعد السابع من أكتوبر عام 2023, وضعت الحرب على غزة الزمن الصعب من حيث المكان والوقت والمساحة, إلىان وجد الفنان والكاتب والباحث عن الأمل مكانه بين إقامات فنية تعددتمع النزوح إلى الخيام وخارجها بين المدن المحطمة, لإضاءة الصورة بين الركام والرد بالفن والكتابة مع الأطفال والنساء والشباب, وكل بارقة حياة, استطاع الفنان المقوسي أن يصنع اللحظات ويمسك بيد الناس للرسم والتعبير والحرية الممكنة من التصوير وفتح طريق لصوت اَخر تعيش معه قضيته وهويته الباحثة عن رسم الإنسانية ووجدان فني تنططق روحه وقلبه لوحة: هذه لغتي وهذا أنا.
نعيش معك عوالم فنية برسم ذاكرة طويلة مملوءة بمحطات الفنون. حدثنا عن البدايات الأولى والنشأة؟
باسل صلاح المقوسي مواليد قطاع غزة عام 1971، والدي مدرس الفن ومعلمي الأول, شجعني وعلمني الخط العربي والرسم, إلى ان أصبحت فنانا بصريا ومصورا حرا، مُتتلمِذا على يد الفنان البرفيسور الألماني- السوري الأصل مروان قصاب باشي بين عام 2000-2004, خلال المشاركة في أكاديمية دارة الفنون تحت رعاية مؤسسة شومان بالأردن, وفي عام 2003 حصلت على جائزة الفنان البريطاني تشالز اسبري للفن الفلسطيني بترشيح مؤسسة القطان، كما حصلت على إقامة فنية في مدينة بنغالور– الهند.
لدي 9 معارض شخصية، شاركت في معارض جماعية محليا وعالميا، حصلت على الجائزة البرونزية لاتحاد المصورين العرب– فرع ألمانيا، وجائزة أوسكار بينالي- ثقافة النيل في القاهرة سنة 2009، وإقامة فنية في الجزائر بترشيح من اليونسكو عام 2013، وأخرى في ولاية كوينيكت الأميركية 2016، وإقامة فنية في النرويج والسويد سنة 2013, ومنذ العام 1994 وإلى عام 2023 اعمل مدرسا وناشطا للفنون في مدارس ذوي الاعاقة السمعية، وعضو مؤسس لمحترف ومجموعة شبابيك للفن المعاصر في غزة.
تكتب اليوميات وترسمها "محاولا البقاء إنسانا مستيقظا" من أين بدأ الرد بالكتابة والفن في زمن الحرب على غزة؟
أرسم لمحاولة البقاء إنسانا مستيقظا وحساسا حتى لاتزيل الحرب إنسانيتي, أحاول رسم رائحة الشهداء بعد خروجي من غزة إلى خانيونس, المدينة الذي أحبها, أقمت داخلها شهرين داخل بيت أحد الرفاق وأصدقاء العُمر, أحمل حقيبتي والألوان وأجمع الأطفال في مجموعات بين خيام النزوح, وفي خيمتي وبين ركام بيوتنا المدمرة بالحرب, أشاهدهم وأصورهم أوقات تجولي بين الشوارع وطوابير المخابز, وهم يحملون الماء ويجمعون الورق والكرتون والحطب لتستطيع أمهاتهم طهي الطعام على النار, هذه ليست حياتهم قبل 7 أكتوبر، أصبحوا أكبر بكثير من أعمارهم الطبيعية, تلك المشاهد تستفزني وتستفز الفنان بداخلي, ولكي أحافظ على إنسانيتي وإنسانيتهم.. اجمعهم وألعب وأضحك معهم, وأعمل ورش رسم أطلقت عليها: الاقامة الفنية بين الأماكن التي تنقلت معها بداية الحرب البشعة والإبادة الجماعية: في خانيونس ورفح والآن دير البلح, ولا أعلم أين سنكون بعد كتابة هذه السطور, فسلام يا مدينة، لا تموت، ولا تعرف الانحناء.
شبابيك المكان والمتحف الفني، ضم بين جدرانه تاريخا وعوالم لم تنتهِ. ماذا تقول له وعنه؟
شبابيك حلم تحقق لي وللفنانيين منذ الفكرة الأولى عام 2003 تأسس في البداية كعالم افتراضي, إلى أن أصبح حقيقة في عام 2009 ومرسم خاص وقاعة للعرض نديرها برفقة الأصدقاء وشركاء الحلم, وصلت شبابيك إلى كونها المكان الوحيد والأول في فلسطين كاستديو رقمي, ومرسم يديره الشباب بدون قيود وشروط على الفنانين لإنتاج أعمالهم وعرضها في قاعة المحترف.
رسمت وعرضت داخله, وصنعنا ورشا للفن وأقمنا فعاليات فنية للشباب والأطفال من الجنسين, في كل يوم كان يكبر الحلم حتى أصبح من العناوين الثقافية المهمة على مستوى فلسطين, حيث كنا شركاء من الفنانين والمؤسسات في الدول العربية والأوروبية نتبادل الأنشطة والفعاليات الثقافية والفنية, كان عنوانا ثابتا لزيارة كل المهتمين بالثقافة والفن عالميا من خلال زوار المؤسسات الدولية والمحلية والجماهير داخل قطاع غزة.
النزوح لرحلة الفنان من الشمال حتى خان يونس ورفح وإلى دير البلح، مدارات مر بها باسل المقوسي، أوصف لنا هذه المحطات؟
هي محطات إقاماتي الفنية وليست النزوح رغم الخوف والرعب الذي نعيشه, فبعد توفير ما تحتاجه أسرتي من أساسيات الحياة جلست أرسم الكثير من أعمال توثق المعاناة والقهر الذي نعيشه, أرسم ما لا يستطيع الزملاء الصحفيون توثيقه بكاميراتهم لنكمل بعضنا البعض, لهم احترامي ولأرواح شهدائنا من الصحفيين المحبة والسلام.
ويتابع الفنان المقوسي قوله: ارسم ما بداخلي من قهر يرصد لحظات القصف والموت والإبادة الجماعية بعنوان "شظايا" وأجزائها وهي على طول الطريق طيلة الوقت، ليس فقط التي تمزق الناس، وليس فقط تلك التي تحطم المباني إلى نصفين, الناس أنفسهم متشظون مقطعون، والحياة نفسها ممزقة ومقسمة، لا شيء كامل، لا شيء مثالي، كل شيء ممزق: البشر، المباني، الشوارع، الأشجار, الخيام، وحقوق الإنسان، الحياة نفسها أصبحت شظايا وقطع وأشلاء مبعثرة, من سيجمع مرة أخرى شظايا طفل فقد والديه، أو رجل فقد زوجته الحبيبة، وأم فقدت رضيعها, وعامل فقد مصدر رزقه, ومريض فقد مستشفاه، أو صاحب مصنع تدمر, أو صاحب بيت بناه بعرق وتعب السنوات رأى بيته حطاما.
طوال حياتي كفلسطيني وفنان بذلت قصارى جهدي لرسم الصور الكاملة, اليوم في هذه الإبادة أحاول إعادة القطع والشظايا لتصبح صورة واحدة كاملة، فهل أنجح؟؟
خرجت لترسم رائحة الشهداء، وأنت تسمع الناس لا الأخبار، ماذا عن هذه الرائحة الإنسانية والفنية؟
رائحة الشهداء لا مثيل لها, لا أستطيع حتى الاَن أن ارسمها, هي كل ما يحيط بنا من ذكريات وأيام ولحظات قضيناها بحبهم, هم: أولادنا وأخواتنا أصدقاؤنا, أرواحهم تحيط بنا مع كل لحظة، منتشرين كما تنتشر رائحة العطر, أرسم رائحتهم في كل خط اضعه على السطح الأبيض, سوف أبقى أحاول رسم رائحتهم ليستنشقها من يشاهد أعمالي ومن يقرأ كتاباتي عن رسوماتي فأعمالي باقية كما تبقى رائحة الورد في يد بائعه.
كانت الامهات ترسم بيوتها كانت تبكي وكنت أبكي معهم، أصعب ما صنعت من ورش في حياتي. هذا ما كتبته موخرا. لماذا الأصعب في التجربة؟
صحيح في إحدى أماكن النزوح طلبت مني الأمهات أن أصنع ورشة بعد مشاهدتهن ورش صنعتها مع أطفالهن, لمسن التغيرات التي طرأت عليهم في السلوك والأحلام, طلبت منهم رسم أحلامهم وبيوتهم بعد انتهاء الحرب, بعد لحظات من الرسم كانوا يبكون وأبكي معهم، لم أستطع أن أمسك دموعي وأنا اشاهد دموعهن على الورق تندمج مع الألوان, فعلا من أصعب الورش التي صنعتها في حياتي, انتهى وقت الورشة بعد ساعتين والأمهات لا تريد أن تنهي رسوماتها, بعد فترة التقيت في السوق إحدى السيدات المشاركات في الورشة, مديرة مدرسة متقاعدة، قالت لي: تمنيت لو أنك عملت معي في التعليم, بعد اللقاء معك ندمت لما فعلته بتبديل درس الرسم بمواد علمية أخرى, تركت فينا أثرا جميلا يا أبو صلاح.
تعطي الأطفال مساحات في الخيمة وخارجها من حرية الفن والتعبير، وتخرج بلوحات بارقة الأمل. ما رسالتك لأحفادك الموهبين بالفن ولأطفال العالم؟
رسالتي كما هي رسالتك في الصحافة، كما رسالة الدكتور والمهندس, نحن نبني وطنا وجيلا من الأطفال يواجهون أبشع أنواع الموت, في لحظة يتحولون إلى قطع متناثرة في المكان, ما قوة أجسامهم التي تتحمل صاروخا يفجر أحياء بأكملها من الخرسان والأسمنت والحديد, ليس فقط رسالتنا أن نحملهم أشلاء وندفنهم تحت التراب, أبنائي وأحفادي جزء من هؤلاء الأطفال المحرومة حقوقهم في اللعب والتعليم والصحة والسفر, ومع كل هذا ينامون وهم لا يعلمون أنهم سوف يستيقظون وصوت القصف والمدافع والدمار يحيط بهم في كل مكان, حتى الأمان فقدوه, فعجزنا جميعا عن حمايتهم, ولكن نستطيع أن نجعلهم سعداء يبتسمون.
مواضيع ذات صلة
في الذكرى الأربعين: ماجد أبو غوش.. الأثر الذي لا يزول
في تأبين الشاعر ماجد أبو غوش...
اتحاد الكتاب والأدباء: معين بسيسو حنجرة غزة التي لا تموت
الهوية الفلسطينية في معرض القاهرة الدولي للكتاب.. حضور يتجدد عبر الكلمة والفن
أساتذة لغة عربية وتاريخ: طه حسين ظُلم في أزمة "الشعر الجاهلي"
حين تصبح الكتابة نجاة.. قراءة في كتاب "ذاكرة العدوان" لبيسان نتيل
"الشاعر في رؤى نفسية" لوحيدة حسين