بلى .. لا يحتاج إلى تعريف!
تغريدة الصباح - حسن حميد

-1-
لو أنه بيننا اليوم، لكان عمره 84 سنة، عاشها كلها، في عزلة للإبداع النايف، كي يغمرنا بجمال الشعر، ونبالة الموقف، وسرانية الحذق، ودهشة الحضور، وأسطورية القول، والزهو بامتلاك اسم قروي لا براعات فيه، ولا فلسفات، ولا وقت متاحا لاختياره، اسم فيه جمال الصورة المشتقة نهارا من الضحى، وجمال الصورة الدانية ليلا من نور فريد.. إنه محمود درويش، ابن قرية (البروة) الذي قرأ في كتابها سبع سنين، ثم غادرها قسرا وهو يبكي، ثم عاد إليها وواقفها، بعد شهور، لكي يبكي أيضا، حين رأى بيوتها، بسبب الظلموت الإسرائيلي، عجينة من حرائق، وحجارة، وأشجار، وعرائش عنب، وأزهار نرجس طالعة من شقوق الصخر بألوانها البهيجة، ونوافذ ما عادت ترى شيئا، وأبواب لا تتجاسر الأيدي على قرعها، ودروب ناحلة كانت تمر بالبيوت مثلما تمر حبات الخرز في خيط من حرير، وآهات موجعات معلقة في رحابة سماوية اكتظت بالعويل الثقيل.
لو أنه بيننا الآن، وهو في الرابعة والثمانين، لكان حرزا لنا من السرور، وقلعة من جمال نادر، وكتبا تحاكي السماء في علوها، والبراري في سعتها، ومدارا لأسئلة نابهات محومات حول المعاني السامية، وصفحات حبرها ذوب الروح، وكلاما مشى فوق ساقين قاطعا البحار والغابات والقفار ليضيء ما أراد أهل الضلالة أن يديروا له الظهور، وقلبا عفيا لا شيء فيه سوى نشيد الديار والحقول والغدران والأزاهير والطيور والدروب والكتب والظلال: بلادي، بلادي.
-2-
يا الله، لو كان بيننا، في يوم ثقافتنا الجليلة (13 آذار) لاعشوشبت أرواحنا، وفتحت أبوابنا، واخضرت دوالينا البارقات، وأضاءت ليالينا.. يا لليالينا كم دهمتها العتمة، وكم تكاثرت وتراكمت حتى صارت طبقات منذ أندهمنا الرحيل.
يا الله، لو كان بيننا، لقال ما قال من شعره الذي رواه ماء القلب كيما تصير (البروة) قرى، ويصير البيت محجة، وتصير شجرة الخروب غابة، ويصير الكتاب سرا لا يطاله شرح أو تأويل، ويصير الحلم شرفة.. هواؤها رائحة القهوة، ويدا تجول بنداها كيما تغمر مشاتل النعناع والحبق.
يا الله، لو كان بيننا، لجالسنا، وإياه، نهر الأردن كي نستمع لرواية طيور الكراكي التي تأتي، على شوق، في كل ربيع لتتفقد حزن الفلسطينيين الذي تكاثف حتى عمته الألوان، ولجالسنا، وإياه، حقول القمح الهاتفة بنا، أجيء إليكم كل سنة لأتبارك بكم، أيها الفلسطينيون، ولأرى صورتي، وغرتي التي يلهو بها هواء الجليل، ولأحطنا، وإياه، بضفتي جسر بنات يعقوب، وهو يروي لنا كم وكم عبرته من جمال وحمير وبغال وعربات خشب وحديد، وكم داسته من أحذية خشنة، وكم سمع من لغات لها رطين غريب، وكم صادق الزمن لكي يحظى بالتجلي في حضرة أهله الذين بنوه، وزرعوا حوله الأشجار، وأيدوه بالمؤانسة، وقدسوا ماءه حتى صار المغتسل، ورتبوا أجمات القصب في الضفاف واحدة واحدة حتى صارت مسرات من غناء جميل طويل.
يا الله، لو كان بيننا!
-3-
يقولون لنا، أي شعب، أي بشر، أي كائنات، أي عشب، أي شجر، أي نداوة، أي تاريخ، أي جغرافية، أي بهجة أنتم، أيها الفلسطينيون! لكأنكم جهة أخرى للحضور، ونهار آخر للضوء، وأقمار تمشي بها الأنوار، ودروب تتراكض نحوها الأمنيات والظلال، لكأنكم أسطورة هذا العصر، وخرافة هذا العصر، وسيرة هذا العصر، ووجدان هذا العصر، ومظلومية هذا العصر، وحكمة هذا العصر، وثنائية الحق والباطل، فهل فوق هذه الأرض ما يستحق الحياة؟ لكأن أرواح البيوت لديكم، وأرواح الكتب، وأرواح الخطا، وأرواح الأحلام. .صارت نهرا جاريا هو الحياة، من شفا عمرو إلى أم الرشراش، ومن بحر حيفا إلى بحر أريحا، ومن حقول الورد في بيت لاهيا، إلى جبال الملح في قرى الأجداد، ألهذا استنبتت الدنيا شاعرا اسمه محمود درويش ليكتب بحبر الليل أضواء نهاراتكم؟
-4-
أي محمود درويش هذا الذي كتب جغرافية البيوت التي عاش فيها لاجئا هنا أو هناك، وجغرافية الأحلام التي فكرت بها الأجنة الفلسطينية، وجغرافية الأزمنة التي تجرعتم مرارها، وجغرافية المنافي القريبة والبعيدة، وجغرافية الأعداء والأصدقاء رسما وتلوينا، وجغرافية الإخافة قولا وتفعيلا، وجغرافية المطاردة، وجغرافية الانتظار، وجغرافية الأمل الذي لا تهزمه ضربة واحدة من بلطة جارحة.
أي محمود درويش هذا الذي كتب تاريخكم شعرا كما لو أنه ند هوميروس الإغريق، أو فرجيل الروم، كم من إلياذة في شعره، وكم من أوذيسة، وكم من درب افترع، مثل الدرب إلى إيثاكا، وكم من ضياع أشار إليه يشبه ضياع أوديسيوس، وكم من بطولة وحادثة سطر، وبعضها أوفى من بطولة أخيل وفيكتور، وبعضها أكثر فطنة من حصان طروادة!
وأي محمود درويش هذا الذي انتسب إلى غابة إبداع مضيء كل ما فيها من شجر، وأنهار، وجداول، وغدران، وطيور، وأحلام.. دنيا من الجمال، والنيافة، والكبرياء تجهر بالاسم الثمين: فلسطين، فلسطين، وأي محمود درويش هذا الذي أحاطت به كتب التاريخ والجغرافية والقيم والعقائد واللغة والفنون، حتى يصير يوم ميلاده عيدا للثقافة الفلسطينية التي ناددت الثقافات التي جاورتها.. ثقافة مصر والشام، والرافدين، وأثينا، والبندقية.
-5-
بلى، إن قيم الخير، والجمال، والحق.. هي كتاب الأزل الذي لا يحتاج إلى تعريف، ومحمود درويش هو كتاب شعبه الذي.. لا يحتاج إلى تعريف أيضا!
مواضيع ذات صلة
"نزع السلاح".. بين المناورات والذرائع!
المجالس المجتمعية.. حين تتحول الفكرة إلى نهج وطني فاعل
تعديل قانون انتخاب الهيئات المحلية.. إعادة ضبط البوصلة الوطنية أم تحصين متأخر؟
مستوطنات لتفريخ الارهاب!
نظام دولي قديم يتفكك وآخر جديد آخذ بالتبلور
الهند والجنوب العالمي
انتهت صلاحية "الجماعة".. ولكن ماذا عن الحرب الدينية؟!