صاحبة الرحلة الجبلية!
تغريدة الصباح - حسن حميد

أبدا، لم تكن الأيام التي عشتها، والطريق التي مشيتها خذولا على الدوام، وإن كانت ضرباتها موجعة وأليمة في أكثر الأحيان، لكن بريقا واحدا يمر بواحد من أحلامي الكثيرة كان كفيلا بمحو طعوم الأسى والخذلان، ولو لوقت قصير.
أقول هذا لأن البوارق التي عشتها وعرفتها كانت عزيزة علي، وذات يد شدود على ممحاة كبيرة، راحت تمحو آهات كثيرة استوطنت لهاتي، ومنها، ياريت، وربما، ولعل، مثلما راحت هذه البوارق تدفع خطاي إلى أقرب مسافة ممكنة من أمل راح يعلو ويمتد في عالم وسيع من النأي وإدارة الظهر لكل بهيج ومحلوم.
من هذه البوارق لقاءاتي مع أدباء فلسطين الذين قرأت آدابهم في مناهج الدراسة، وركضت في دروب موحشة لأعرف عنهم القليل، كيما أمشي في الدروب الأليفة التي افترعوها، ولا سيما حين وعيت على نفسي بأنها قادرة على أن تقول شيئا عن أهلي في مخيمات اللجوء، وعن أحلامهم وغصصهم، وحالات التذكر التي أقاموا طقوسها حتى صارت جزءا أصيلا من حياتهم، لقد التقيت بالكثيرين منهم، فعمتني البهجة، لأن كل لقاء علمني الكثير، ومن هذه اللقاءات، كاملة السرور، لقائي بالشاعرة فدوى طوقان( 1917-2003)، في الكويت، حين فازت بجائزة البابطين( 1995)، وقد أدهشتني قدرتها على التذكر، ومحبتها الغامرة للبلاد، وهي تتحدث عن مدينة نابلس، مسقط رأسها، وعن مدينة القدس التي انبهرت بها حين جاءت إليها لتعيش مع أخيها الشاعر إبراهيم طوقان، اجمل سني حياتها، حين كان يعمل في إذاعة القدس، لأنها كانت سنوات التكوين الأدبي، وسنوات معرفة أسرار الشعر. في ذلك اللقاء الطويل معها في الكويت، والممتد على أيام عدة، عرفت أن فلسطين هي كل شيء في حياتها.. العيش، والأحلام، والمعنى.
في هذه الآونة، أتذكرها، حين رأيتها دهشة عظيمة تمشي على قدمين، وروحا تتنفس أخبار فلسطين، فتقدمت منها، ومددت يدي نحوها، فمدت يدها، وهي تنظر إلي متفحصة لعلها تعرف صاحب هذا الوجه، ولم أترك لها مجالا حين انحنيت وقبلت يدها، فاختلج جسدها، ورجفت كفها في كفي، وهمهمت تريد أن تعرف من أنا، فقلت لها: أشكر الله أنه حقق واحدا من أحلامي برؤيتي لك، أنا الآن أؤمن بأن الزمن ديموقراطي، وأنه قارب وسيع يحمل على ظهره أحلامنا، فيجعل الحلم يرتطم بالحلم، وكلاهما كانا في عداد المستحيل.
بلى، كانت رؤيتي لفدوى طوقان حلما وأكثر، لقد قرأت أشعارها على مقاعد الدرس، وحفظت قصائدها التي كانت سببا في نجاحي وتحصيلي العلمي، وحين قرأت سيرتها الجبلية الصعبة(1985)، آخيت آلامها، وجهرت بفداحة ظلم العادات والتقاليد التي عاشت طيها في بيت من أعز بيوت نابلس، وأحببت القدس التي انبهرت بها، فمشيت في عقباتها، وصعدت أدراجها، ورأيت نور معابدها، وشممت طيب روائحها المدوخات، وأحببت مدينة نابلس التي جالت فيها عينها النفوذ، فجلست في أفياء الدور، ومشيت في أسواقها، وناظرت شرفات البيوت العالية، ومررت من تحت قناطرها وأقواسها ذات الحجارة الوردية، وتلبثت الهوينا لأرى الحجارة التي رصفت شوارعها، ولأسمع النداءات المتداخلة، وحوارات الناس، لقد أحسست ورأيت وعشت الجمال الفلسطيني بعينيها، وهو جمال ناطق بالسحر والألوان والحكايات والقصص والأخبار التي لا يشبهها سحر مهما اغتنى بالألوان والحكايات والقصص والأخبار؛ فدوى طوقان عاودت عيش حياتها مرة أخرى عبر سيرة رائقة صافية لم تغفل عن أصغر التفاصيل، لأن كل تفصيل كان حلما لم يتحقق، فدلت عليه ندبة هنا، وأخرى هناك.
وفي سيرتها الثانية (الرحلة الأصعبـ 1993)، أبكتني صفحاتها في مواضع عدة، لا لأنها بكت هي، بل لأن البكاء تعبير إنساني لا بد منه حين يصير الضعف أسئلة حائرة، وجعلتني أتصلب مثل الحديد المقسى وهي تواجه النكبات المستجدة بالثبات أمام مشاهد الحرائق التي التهمت البيوت والمدارس، وطرد الفلسطينيين من أحيائهم، ودفعهم نحو المجهول، وجعلتني أنهض بكامل قامتي حين رأيتها تتحدث عن بنات جنسها كي تتخطى الواحدة منهن ما عجزت هي عن تخطيه.
أجل، فدوى طوقان، هي مثال المرأة الفلسطينية العفية في أفكارها وإبداعها، وقدرتها على التأثير في كل من يحيطون بها، فهي، وعبر ما كتبته من شعر ونثر، كانت محررة لتاريخ المرأة الفلسطينية من شوائبه، مثل المحرر الأدبي الذي يعطي للنص وجهته، ويبدي ما فيه من جمال، كانت سابقة على غيرها في دعوتها لتحرير المرأة من عتمة التقاليد والعادات والأعراف والتصورات، ونقلها من مربع (الأنوثة) إلى مربع (الفرد) القادر على الفعل والقيادة والتأثير، وتظهير الأحلام التي أغرقها بكاء طويل أليم، وعسف كاد يطويها لولا قوة الإرادة.
فدوى طوقان كانت الشاقة للدروب أمام المرأة الفلسطينية لتتعلم، كي تكون المدرسة من جهة والكتب من جهة أخرى هما دنيا الاستنارة والخلاص من همهمات القيل والقال، ولهذا فرحت فدوى طوقان، كما تقول في سيرتها، حين رأت أن أصوات النساء العارفات الحالمات راحت تتكاثر في مصر، وفلسطين، وسورية، والعراق، ولبنان، رغم شناءات القول الباهت والضرير، لقد عوضت فدوى طوقان علوم المدرسة التي أقصيت عنها، بالقراءات العميقة للكتب التي كانت في مكتبة أخيها إبراهيم طوقان، وحين كتبت تجاسرت، وأطلعته على قصائدها، ولكم فرح بها إبراهيم طوقان، ولكم شجعها، ولكم جالسها لكي تعرف أسرار الشعر، ولكم فرحت هي حين رأت قصائدها منشورة في مجلات مصر والشام وهي تجاور نصوص كبار الأدباء والشعراء.
أما الروح الوطنية، فقد عاشتها فدوى طوقان عيانا أيام الاحتلال الإنكليزي، وأيام الاحتلال الإسرائيلي فيما بعد، ونادت بها لأنها هي الكرامة، وحرصت عليها، فجعلتها عمود النور الرائي لكل قول وفعل، والمبتغى لكل حلم جميل، ولعل لقاءاتها الادبية التي تحدثت عنها، في الجزء الثاني من سيرتها (الرحلة الأصعب) أكدت عمق رؤيتها الشارحة للنفسية الإسرائيلية المتناقضة، والضائعة، والمشوشة، والمتنقلة ما بين ثنائيات: الجلاد والضحية، والسلام والحرب، والظلم والعدالة، والظاهر والمستبطن، والقوة الخشنة والقوة الناعمة، وجاهرت بفضحها لمجانبتها الحق والخير والجمال من دون أن يتسرب الخوف أو الارتباك إلى نصها المكتوب أو قولها المنطوق.
فدوى طوقان، ونحن طي استذكارها( ميلادها / آذار 1917) شاعرة تخطت بأشعارها وسيرتها وأفكارها، ودروبها الوعرة التي مشتها بالثقة الكاملة، جغرافية البلاد الفلسطينية العزيزة، لتصير جغرافية المكان جغرافيات منادية بالحرية سياسيا واجتماعيا وثقافيا، ولتصير جغرافية فلسطين جغرافية للحلم الإنساني. لهذا حضرت نصوصها في مناهج دراسية عربية عدة، مثلما حضرت تجربتها الأدبية في جل مطارح التكريم وحصد الجوائز، ومثلما حضرت قصائدها في كل ما ترجم من الشعر العربي إلى اللغات الأجنبية.
فدوى طوقان، يكفيها فخرا أنها شكلت ضفة رحبة أخرى للشعر البهي المعادل جماليا لضفة الشعر البهي الذي قالته نازك الملائكة في العراق، فكانت صنوها في الحضور والاشتقاق، والمعنى الجليل، والمكانة.
مواضيع ذات صلة
"نزع السلاح".. بين المناورات والذرائع!
المجالس المجتمعية.. حين تتحول الفكرة إلى نهج وطني فاعل
تعديل قانون انتخاب الهيئات المحلية.. إعادة ضبط البوصلة الوطنية أم تحصين متأخر؟
مستوطنات لتفريخ الارهاب!
نظام دولي قديم يتفكك وآخر جديد آخذ بالتبلور
الهند والجنوب العالمي
انتهت صلاحية "الجماعة".. ولكن ماذا عن الحرب الدينية؟!