المرأة الفلسطينية تدفع الثمن الباهظ للصراع
باسم برهوم

في السطور المكتوبة والشفهية التي تروي الصراع الفلسطيني مع الصهيونية وإسرائيل تبرز المرأة الفلسطينية. باعتبارها الضحية رقم واحد، وفي الوقت نفسه البطلة رقم واحد، هي الضحية، لأنها هي والطفل الفلسطيني الأكثر استهدافا من آلة الحرب الإسرائيلية، فهي من جانب مستهدفة لأنها عصب الأسرة، وبالتالي المجتمع وتماسكه، ولكونها جهة الإنجاب وتكاثر الشعب الفلسطيني، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى لأن الصراع يدور في حيز ضيق وعلى كل شبر من الأرض، لذلك يكون المدنيون، المرأة والطفل أساسا، وقود الصراع والحروب المتتالية منذ أكثر من مئة عام. والمرأة الفلسطينية هي البطلة لأنها مركز الصمود على الأرض، وهي الأكثر تعرضا للضغوط النفسية والمعنوية، وهي في الوقت ذاته منخرطة في الكفاح ومقاومة الاحتلال والاستيطان.
والمرأة الفلسطينية بطلة لأنها منحازة للنهوض بنفسها وبأسرتها، ببناتها وأبنائها، تربيتهم وتعليمهم، ورعايتهم وتقديم الحماية لهم، وهي بطلة لأنها تواجه بصلابة الاحتلال من جهة والظلم الذي يقع عليها من المجتمع الذكوري الأبوي الذي يتعامل معها وكأنها كائن أقل أهمية أو مجرد تابع للرجل من جهة أخرى. فهي مجبرة على خوض صراع، على أكثر من جبهة، دون أن تجد في كثير من الأحيان من يقف إلى جانبها، خاصة عندما تكافح من أجل مكانتها في المجتمع.
خلال حرب الإبادة الجماعية الإسرائيلية على قطاع غزة برزت المرأة الضحية والمرأة البطلة المكافحة، فالأرقام تشير إلى أن ما يقارب من 13 ألف امرأه استشهدن، وعشرات الآلاف جرحن، وما يقارب من 14 ألف امرأة ترملت، و17 امرأة فقدت أحد أبنائها أو أكثر.
والمرأة أرهقها النزوح المتكرر وتحملت أعباء الأسرة في ظروف قاسية جدا، وتحت تهديد القصف والدمار، والمرأة في القطاع عنوان الصمود في زمن مخططات التهجير القسري والطوعي، وهي عنوان الارتباط بالأرض والعمود عليها، وكانت أكثر المتحمسين للعودة إلى مكان الأسرة حتى لو كان مدمرا.
مشاهد حرب الإبادة تذكر الفلسطينيين بنكبة عام 1948، ليس بمشاهدها المأساوية، وإنما بمساهمات المرأة الفلسطينية في الحفاظ على الهوية الوطنية. وتكريسها في وعي أبنائها، فالمرأة هي حاضنة التراث الشعبي وحامية له، وقاومت المحاولات في أن تذوب هي وأسرتها بأي ثقافة أخرى، أو هوية أخرى. وعند انطلاقة الثورة الفلسطينية في عام 1965 كانت المرأة الفلسطينية في طليعة الملتحقين بها، وكانت الفدائية والسياسية، والمثقفة، والنقابية، والأم في آن معا.
المرأة الفلسطينية لم تكن على هامش الأحداث بل في صلبها، منذ أن كان الشعب الفلسطيني لا يزال على أرض وطنه قبل النكبة، وبعدها وحتى اللحظة. وما قد يناقش اليوم هو واقع المرأة الفلسطينية بعد المد الإسلامي السياسي في فلسطين والمنطقة، والمحاولات لإعادة إنتاج المجتمع الأبوي، بعد ما شهد واقع المرأة الفلسطينية والعربية نوعا من النهوض خلال القرن العشرين.
فالمرأة تبرز مرة أخرى كضحية لهذا المد، والذي يسعى للانتقاص من مكانتها، ويحط من قدراتها وحقها في المساواة التامة مع الرجل، فالإسلام السياسي لا تقل خطورته على المرأة الفلسطينية من الاحتلال الإسرائيلي ذاته، لأنه يستهدف السيطرة على عقلها والحد من تأثيرها في المجتمع، أو الاكتفاء بدور شكلي لها.
مسؤولية النهوض في واقع المرأة ليست من مهمة النساء وحدهن بل هي مسؤولية المجتمع، مسؤولية المشرع والطبقة السياسية التي تتحكم بالقرار. وفي الواقع الفلسطيني بالضرورة أن يكون هناك إدراك مفاده إذا لم نحشد كل طاقات شعبنا فلن نحقق أهدافنا لا الوطنية ولا الاجتماعية، وفي مقدمة حشد الطاقات أن تحتل المرأة الفلسطينية مكانها ومكانتها المناسبة وتكون شريكا فعليا في القرار. وتحصل على حقوق كاملة وبمساواة كاملة في مجال العمل وفي الحقول السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية. والأهم ألا تكتفي المرأة، ولا يكتفي المجتمع بمكانة شكلية للمرأة وإنما بمكانة حقيقية تحقق هدف حشد الطاقات في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي وتحقق الوصول لهدف الحرية والاستقلال.
مواضيع ذات صلة
"نزع السلاح".. بين المناورات والذرائع!
المجالس المجتمعية.. حين تتحول الفكرة إلى نهج وطني فاعل
تعديل قانون انتخاب الهيئات المحلية.. إعادة ضبط البوصلة الوطنية أم تحصين متأخر؟
مستوطنات لتفريخ الارهاب!
نظام دولي قديم يتفكك وآخر جديد آخذ بالتبلور
الهند والجنوب العالمي
انتهت صلاحية "الجماعة".. ولكن ماذا عن الحرب الدينية؟!