ضغينة العنصرية ضد بيوت الله
وجع في قلب نابلس العتيقة.. حين تصمت مئذنة مسجد النصر قسرا

نابلس – الحياة الجديدة – بشار دراغمة- كان صباح أمس الجمعة في نابلس ثقيلا بالحزن، مشبعا برائحة الرماد والمآذن التي اختنقت بدخان ودمار.
مسجد النصر لم يعد على حاله بعد أن أتت النيران على أجزاء منه، بينما تضررت ستة مساجد أخرى في البلدة القديمة من نابلس بفعل عمليات التخريب والتدمير التي تعرضت لها إثر اقتحام قوات الاحتلال للمدينة فجر أمس الجمعة.
جاء المصلون إلى مسجد النصر في قلب البلدة القديمة كما اعتادوا، حاملين في قلوبهم يقين الإيمان، لكنهم لم يجدوا المسجد على حاله، المكان الذي اعتادوا أن يتكئوا على جدرانه لم يعد كذلك، لم يسمعوا خطبة الجمعة التي كانت تسري في أروقة المسجد العتيق ككلمات خالدة من زمن بعيد.
عند مدخل المسجد، كان العجوز أبو إسماعيل يجلس على عتبة الوقت، يحدق في السواد الذي خلفته النيران في الجدران، يداه ترتجفان وصوته يكاد يختنق قائلا: "كم مرة سجدنا هنا؟ كم دمعة سالت في هذا المحراب؟ كيف تحرق بيوت الله بكل هذه العنجهية من الاحتلال؟".
بجانبه، وقف طفل صغير يرمق المشهد بعينين زجاجيتين، مخاطبا والده بصوت واهن: "هذه المرة الأولى التي لا نتمكن فيها من أداء صلاة الجمعة المعتادة في مسجد النصر، فيرد الأب، وهو يمسح على رأس صغيره، وكأنما يمسح عن ذاكرته هذا الألم: إنه الاحتلال الذي يغتال كل شيء".
لم يكن صباحا عاديا في نابلس. المحافظ غسان دغلس جاء متأبطا وجع المدينة، يتفقد المكان بحضور ممثلي وزارة الأوقاف والشؤون الدينية، وطواقم الإغاثة الطبية والإطفائية، كانت خطواتهم بين الركام أشبه بخطوات المنفيين على أطلال أوطانهم.
قال أحد رجال الإطفاء، وهو يراقب بقع السواد التي امتدت إلى سقف المسجد: "لو لم يمنعونا من الوصول في الوقت المناسب، ربما كنا أنقذنا المزيد".
في السوق المجاور، حيث الحياة تتنفس بصعوبة بين الأزقة العتيقة، كان التجار يراقبون بقايا محالهم التي اقتحمتها قوات الاحتلال وعبثت بمحتوياتها، أوقف أحدهم أحد رجال الإطفاء وسأله بيأس: "هل بقي من المسجد ما نصلي فيه؟"، فأجابه بصوت كسير: "يمكنكا الصلاة فوق الحزن كما اعتدتنا".
من بعيد، كانت مساجد البيك، والساطون، والتينة، وغيرها من بيوت الله التي دنستها قوات الاحتلال، تقف شاهدة على ليلة سوداء لم ترحم جدرانا أو مصاحف، تكسرت النوافذ، وانتشرت آثار الحطام في كل زاوية، وكأنها تنطق بمرارة ما حدث.
رئيس بلدية نابلس الدكتور حسام الشخشير، قال بحزن: "إنها جريمة ضد التاريخ، قبل أن تكون جريمة ضد البشر". لكنه كان يعلم في قرارة نفسه أن الاحتلال لا يعنيه التاريخ، ولا تعنيه قدسية الأماكن.
على أطراف البلدة القديمة، كانت رائحة الحريق لا تزال تتسلل من بين الأزقة، تمتزج بأحاديث المواطنين، بدموع الأطفال الذين اعتادوا الركض في ساحة المسجد، وبأصوات النسوة اللواتي وقفن على أبواب منازلهن يراقبن المشهد بقلوب كسيرة.
"إنه ليس مجرد مسجد، إنه روح البلدة القديمة".. قالت امرأة مسنة وهي تمسح دمعة أفلتت رغما عنها. بجانبها، شابة كانت تحمل طفلها الرضيع، همست: "يريدون أن يطفئوا كل شيء حتى صوت الأذان".
وقف شاب أمام المسجد النصر، مد يده ليلامس جدرانه التي تشبعت بالحزن، ثم استدار إلى رفاقه وقال بصوت حازم: "يمكنهم إحراق الجدران، لكنهم لن يحرقوا الإيمان الذي في قلوبنا، سنعيد إعمار هذا المسجد، وسيبقى أذانه يعلو رغما عنهم".
مواضيع ذات صلة
ارتفاع حصيلة الشهداء في قطاع غزة إلى 72,594 والإصابات إلى 172,404 منذ بدء العدوان
ارتفاع أسعار النفط مع تعثر إنهاء الحرب وإغلاق مضيق هرمز
إصابة سيدة برصاص الاحتلال شمال قطاع غزة وقصف مدفعي يستهدف مناطق متفرقة
اللجنة الوطنية العليا لإحياء ذكرى النكبة الـ78تعقد اجتماعها التحضيري الأول
الأغوار تودع حارسها...
الاحتلال يخطر بهدم 5 منازل وحظيرة أغنام في قرية بيرين جنوب شرق الخليل
الهلال الأحمر الفلسطيني يواصل جهوده الإنسانية في الإجلاء الطبي من قطاع غزة