"البومة العمياء" بين إدراك الواقع والصوفية الغائبة
مهيب البرغوثي

صدرت آخر طبعة قبل سنتين تقريباً وكانت الطبعة الثانية عشرة طبعة جديدة من رواية "البومة العمياء" للكاتب الايراني صادق هديت الذي توفي 1951 ترجمة د.ابراهيم شتا عن سلسلة روايات الهلال.
البومة العمياء تعتبر من اهم اعمال هديت حيث تحدث فيها عن رؤيته للحياة واحلام وكوابيس عاشها وحاول فيها ان يجسد روحه القلقة حين لا تجد ذاتها.
كم من الذنوب ذنوب حملتها روح البومة العمياء، دون سبب يذكر، كأننا في كتاب محاكمة كافكا –ترجم هديت عدة أعمال لكافكا كالمحاكمة والمسخ-.
حاول هديت في رواية البومة العمياء ان يخلق عالما موازيا ومختلفا عبر شخصية البطل وان اختلفت عن صورة البطل عند كافكا، دون ان يتورط في الدفاع عنه، لكن لقد حاول، من خلال حفرة في الجدار كانها حفرة في الوعي عن طريق الألم، هنا كان عالمه كأنه اصدق من عالم حقيقي "كنت أمر بلا هدف بين الأوباش، ذوي النظرات الطامعة الذين يسعون وراء الشهوة والمال، ليست بي حاجة للنظر إليهم، ذلك أن واحداً يمثل الباقين...".
التجربة تبدأ من أولها
حالة المتصوفة "في ليلة الزفاف حين صرنا وحيدين، مهما رجوت والتمست لم تلن لي.. لم تترك لي سبيلا إليها، فأطفأت المصباح، وذهبت ونمت في الطرف الآخر من الحجرة.. وفي الليلة التالية ذهبت ونمت في نفس المكان على الأرض، واستمر الأمر على هذه الحال في الليالي التالية".
لم ينم البطل مع امرأته نهائيا، رغم رغبته فيها، المرأة التي لا تعرف عدد عشاقها، وهو لا يستطيع فعل شيء خوفا من فقدانها، يراقب سلوكها بصمت فقط.
وايضا هديت كتب الادب الرمزي، خوفا كغيره من الكتاب من الواقع، وما يعج به من أحداث سياسية واجتماعية مرَّت بها إيران وقتها.
لذلك اتخذ الرمزية الصوفية بحالة عزلة واعتزال في آن واحد للتعبير عن رفضه في المرحلة الاولى لذلك جاء الحس الصوفي عاليا جدا في الرواية، حيث اختلط الرمز مع الواقع والشخوص بالخيال فسقط المكان والزمان.
وكأنه يقول في البومة العمياء: هذا العالم كان لا بد من رؤية تستطيع أن تصوغه، أو أن يتم تنظيمها، رؤية أشبه بلوحات السيرياليين، "وفجأة وجدتُ نفسي في ممرات مدينة غير معروفة، ذات منازل غريبة وعجيبة على أشكال نماذج هندسية، مناشير ومخروطات ومكعبات، وذات نوافذ منخفضة ومظلمة، وكانت الأبواب مُغطاة بأزهار النيلوفر. كنتُ أتجول بحرية وأتنفس بسلام، لكن سكان المدينة جميعاً كانوا قد ماتوا ميتة غريبة، كلهم تجمَّدوا، حيث كانوا، ونقطتان من الدم سقطت من فم كل منهم، لتصل إلى ملابسه، وكانت رأس كل واحد ألمَسُه تقتلع وتسقط إلى أسفل".
الواقع والخيال
كما يحمل الواقع ثقل الخيال –جائت صورة البطل ليأخذ بالثأر- من كل عشاقها في صورتها تجلى عن البطل الايمان بصورة الموت، وهنا يغيب العقل الذي كان هو مجال الصراع والخيط الفاصل بين الخيال والحقيقة بين الايمان والجهل ويستسلم لحالة من الغيب، الغيب الذي يقدس بتجلٍ روح البطل، ويحتفظ بجسده، بينما روحه تحلق بعيدا، جسده الذي طالما كان يسعى لتدمير نفسه.
رواية من روائع الأدب الفارسي تستحق أن تقرأ وتقرأ أكثر من مرة
"مرّات كثيرة كنتُ أفكر في الموت، وفي تجزئة عناصر جسدي، بحيث إن هذا التفكير لم يعد يخيفني، وعلى العكس، رغبتُ رغبة حقيقية بأن أعدم وأفنى، الشيء الوحيد الذي كنت أخشاه، أن تختلط ذرّات جسدي بذرّات أجساد الأوباش، كان هذا الشيء غير محتمل بالنسبة لي".
جدير بالذكر، أن صادق هديت انتحر بالغاز في باريس، في 9 أبريل 1951.
مواضيع ذات صلة
في الذكرى الأربعين: ماجد أبو غوش.. الأثر الذي لا يزول
في تأبين الشاعر ماجد أبو غوش...
اتحاد الكتاب والأدباء: معين بسيسو حنجرة غزة التي لا تموت
الهوية الفلسطينية في معرض القاهرة الدولي للكتاب.. حضور يتجدد عبر الكلمة والفن
أساتذة لغة عربية وتاريخ: طه حسين ظُلم في أزمة "الشعر الجاهلي"
حين تصبح الكتابة نجاة.. قراءة في كتاب "ذاكرة العدوان" لبيسان نتيل
"الشاعر في رؤى نفسية" لوحيدة حسين