هل ستعود الحرب في غزة بعد انتهاء المرحلة الأولى من اتفاق الهدنة؟
د. رمزي عودة

بعد مرور 42 يوماً، انتهت المرحلة الأولى من اتفاق التهدئة بين حماس وإسرائيل يوم الأحد الماضي. وفي ضوء المعطيات، فإن إسرائيل وعلى لسان رئيس وزرائها بنيامين نتنياهو غير مستعدة لإنجاز المرحلة الثانية من الاتفاق، التي تقضي بتبادل كافة الأسرى والمحتجزين ووقف نهائي للحرب. وصرّح نتنياهو الذي أوقف مفاوضات المرحلة الثانية بأنه يسعى لتمديد المرحلة الأولى من الاتفاق ستة أسابيع أخرى، يتم فيها تبادل الأسرى والمحتجزين (من المتوقع أن يصل عددهم إلى 22 محتجزا على قيد الحياة وما لا يقل عن 32 جثة). ومن ثم الشروع في مفاوضات لاحقة لإنهاء العدوان. بالمقابل،طالبت حماس الوسطاء بالضغط على إسرائيل للمضي قدماً في مفاوضات المرحلة الثانية، معتبرةً أن التمديد يشكّل خرقاً للاتفاق كما صرح القيادي في الحركة سامي أبو زهري.
وفي ظل هذه التجاذبات السياسية، قامت الحكومة الاسرائيلية بقطع كافة المساعدات عن قطاع غزة حتى توافق حماس على مقترح التمديد. في هذا الصدد، أعلن ساعر وزير الخارجية الاسرائيلي بأن البيت الأبيض على علم بالاجراءات الاسرائيلية بما فيها قطع المساعدات التي جاءت بالتنسيق معه. كما أعلن وزير الحرب الاسرائيلي كاتس بأن جيشه مستعد لاستئناف العدوان على القطاع، حيث استدعى الجيش الاسرائيلي مؤخراً 400 ألف جندي احتياط، وحصل على واردات من الأسلحة الأمريكية المتطورة بقيمة ثلاثة مليارات دولار، وتحتوي هذه الأسلحة الجديدة على أكثر من 35 ألف قنبلة ذات أوزان عالية من ضمنها 4000 قنبلة مخصصة ضد التحصينات، وهذه رسالة واضحة من قبل جيش الاحتلال بأنه غير متردّد باستئناف العدوان على القطاع، وخاصةً أن اتفاق المرحلة الأولى لا يمنعه من استئناف الحرب، كما أنه يعطيه الحق في المادة الأولى منه من التوافق على تمديد المرحلة الاولى وهو ما وافقت عليه حماس ووقّعت عليه!
وبين التناقض الكبير في المواقف بين الجانبين، أثار ويتكوف المبعوث الخاص للرئيس ترامب الذي سيزور المنطقة أواخر الأسبوع الجاري خطة توفيقية الى حد ما، حيث تشير التسريبات الاعلامية الاسرائيلية بأن هذه الخطة تقتضي الإفراج عن الرهائن والأسرى الاسرائيليين الأحياء والأموات في اليوم الأول من التمديد، وسوف يتم إطلاق سراح الرهائن المتبقّين في نهاية الفترة إذا تم التوصل إلى وقف دائم لإطلاق النار.
في الواقع، هنالك عدة سيناريوهات مستقبلية قد تحدد مسارات استئناف الحرب في قطاع غزة، ومنها:
أولاً: سيناريو التهجير:
يتزايد سعي إسرائيل الى تهجير الفلسطينيين من قطاع غزة، وبالتالي فإن أي استئناف إسرائيلي للعدوان سيكون محكوماً بدوافع الترانسفير القسري، وهو الذي سيدفع حكومة اليمين الاسرائيلية الى تعطيل أي اتفاق مستقبلي من أجل خلق الذرائع لتهجير أبناء قطاع غزة باستخدام القوة العسكرية.
ثانيا: سيناريو التمديد:
قد تنجح جهود ويتكوف في تمديد الاتفاق حتى تستطيع إسرائيل تحرير كافة أسراها المتبقين أو نصفهم على الأقل، ولكن هذا السيناريو سيواجه برفض حماس لأنها تعي أن ورقة الأسرى هي الورقة الوحيدة المتبقية لها من أجل البقاء في حكم غزة. وبين الجهود الأمريكية الرامية للتمديد وبين رفض حماس، فإن الورقة التي قد تدفع حماس لقبول التمديد هي حدوث انشقاق أو انقسام بين النخب السياسية لحماس وبين النخب العسكرية.
ثالثا: سيناريو المحافظة على الوضع الراهن.
حتى هذه اللحظة، فإن هذا السيناريو هو المسيطر والمطبق، حيث امتنعت إسرائيل عن التقدم عسكرياً في القطاع. وتشير صحيفة "تايمز أوف إسرائيل" بأن إسرائيل ستعطي فرصة للدبلوماسية، وأنها ربما تمتنع عن البدء بأي عمل عسكري في شهر رمضان أو على الأقل حتى يتم تمرير مبادرة ويتكوف وتقييم الوضع بناءً على موقف حماس والوسطاء. وأعتقد هنا بانه ستظل هنالك إمكانية لإسرائيل تتيح استمرار قطع المساعدات عن القطاع وتضييق الخناق على أهله مع استمرار العمليات العسكرية النوعية لجيش الاحتلال مثل الاغتيالات واستهداف البنى التحتية التي تكشفت في فترة الهدنة.
رابعا: سيناريو غياب حماس عن المشهد السياسي والعسكري
يفترض هذا السيناريو تحول حماس الى حزب سياسي وإقرارها بعودة السلطة الوطنية لحكم قطاع غزة مع تسليم سلاح المليشيا الى الأجهزة الأمنية الفلسطينية. وبرغم أن كلاً من حكومة الاحتلال الاسرائيلي وحماس ترفضان بشدة هذا المقترح، الا أن تأييد الدول العربية الرئيسية للمقترح سيجعله أكثر قابلية للتحقيق، وسوف ينتظر الجميع القمة العربية في القاهرة التي ستعقد هذا اليوم الرابع من اذار الحالي من أجل تحديد خيارات اليوم التالي للعدوان وآليات إعادة إعمار قطاع غزة.
في النتيجة، فإن جميع هذه السيناريوهات متوقعة وإن كانت بدرجات متفاوته، ولكن يمكن وصف خيار التهجير بأنه هو الخيار المفضل للإسرائيليين، لأنه حسباسرائيل وأهدافها سيخلصها من هموم قطاع غزة الى الأبد. أما خيار غياب حماس عن المشهد السياسي والعسكري فهو السيناريو المفضل للشعب الفلسطيني لأنه سيتيح تجنيب ما تبقى من قطاع غزة مزيداً من الدمار، وسيؤدي الى مزيد من الاعتدال في المنطقة وتعزيز القدرة على إعادة الإعمار. وبين الخيارين المتناقضين ستبقى الإجابة عن هذه الأسئلة هي الفاصلة في الأيام المقبلة وهي:
هل ستوافق حماس على تسليم أسلحتها ونقل إدارة القطاع الى السلطة الوطنية الفلسطينية صاحبة الشرعية الوطنية والقبول العالمي؟ أم أنها ستبقى تكابر حتى لو تم أهل القطاع جميعهملانها تسعى فقط للبقاء في الحكم!
مواضيع ذات صلة
"نزع السلاح".. بين المناورات والذرائع!
المجالس المجتمعية.. حين تتحول الفكرة إلى نهج وطني فاعل
تعديل قانون انتخاب الهيئات المحلية.. إعادة ضبط البوصلة الوطنية أم تحصين متأخر؟
مستوطنات لتفريخ الارهاب!
نظام دولي قديم يتفكك وآخر جديد آخذ بالتبلور
الهند والجنوب العالمي
انتهت صلاحية "الجماعة".. ولكن ماذا عن الحرب الدينية؟!