هي مجرد خاطرة
تغريدة الصباح - محمد علي طه

كان ذلك قبل أكثر من أربعين عاما عندما باشرت بكتابة المقالات الأسبوعية القصيرة، وحاولت أحيانا أن تكون ساخرة، كي أهدي القارئ بسمة، ونشرت هذه المقالات في صحيفة "الاتحاد" – حيفا وصحيفة "كل العرب" – الناصرة وصحيفة "الحياة الجديدة" – رام الله وقدمتها للقراء الأعزاء في زوايا "مناقيش" و"فنجان ميرمية" و"فنجان زوفا" و"صباح الخير" و"تغريدة" فربطتني بهم بوثاق حريري، وأعاد بعضهم نشرها في مواقعهم الخاصة، وأثارت بعضها نقاشا ساخنا، ولامني بعض القراء على أفكار وآراء لم تعجبهم فيها، وعارضني آخرون بشدة على بعضها، وأيد بعضهم بحماس ما جاء في تلك المقالات.
وأعتز بأن بعض هذه المقالات كانت علامات بارزة وجريئة في مواقفي السياسية والفكرية، وما زال عدد من القراء الذين عايشوها في سنوات خلون يذكرونني بها في مناسبات عديدة فأزهو مثل ديك جارتنا رقية، رحمها الله، عندما كان في القرية أقنان وديوك ودجاجات وبيض بلدي.
أثارت بعض تلك المقالات غضب عدد من القراء الذين أحبهم حينما عارضت أو انتقدت فيها الرئيس الروماني تشاوشيسكو، والرئيس العراقي صدام حسين، والرئيس السوري بشار الأسد، وحركة حماس والعمليات التفجيرية في الحافلات العامة في التسعينيات من القرن الماضي، أو عندما طرحت موقفي الصريح من الائتلاف الحكومي في بلادنا، أو عندما كتبت عن أمر لم يعجبني في الاتحاد السوفييتي صديق الشعوب والقوة العظمى التي أرعبت الاستعمار والغرب.
وكان من دواعي سروري أحيانا أن يتصل بي هاتفيا قارئ معجب بمقالي أو أن ألتقي بقارئ في أثناء مسيرة أو في حانوت ويثني على مقال ما من مقالاتي، أو أن يقول لي قارئ أنه جدد اشتراكه في الجريدة من أجل مقالاتي، ولن أنسى ذلك القارئ الذي اقترب مني وأنا جالس وراء مقود سيارتي في أثناء عجقة سير خانقة في إحدى مدن الجليل وتلا على مسامعي مقاطع من مقال نشرته قبل سنوات فخفف من غضبي على وزارة المواصلات.
قد تكون هذه أمور صغيرة أو ساذجة يراها بعض القراء، لكنها قد تكون أيضا مكافأة كبيرة للكاتب سواء كان شابا أو كاتبا كبيرا.
قال الكاتب الانجليزي برنارد شو ساخرا إنه ترك التدخين ألف مرة، وأما أنا فأعترف أنني قررت التوقف عن كتابة مقالي الأسبوعي مائة مرة لخلاف في الرأي مع محرر الجريدة على رأي ما أو على نص ما، وكانت شريكة حياتي تعترضني وتقول كي تقنعني بمواصلة الكتابة "أنت لا تكتب من أجل حزب ما أو حركة ما أو شخص ما بل من أجل قراء يحبون مقالاتك وينتظرونها".
متى على الكاتب أن يتوقف عن الكتابة؟!
هناك شعراء كبار لم يعرفوا متى يتوقفون عن قرض الشعر فتراجع مستوى قصائدهم كثيرا مما أساء إلى سمعتهم الأدبية، وهناك روائيون وقاصون مشهورون لم يدركوا متى عليهم أن يرتاحوا من الكتابة فكتبوا ونشروا روايات وقصصا لا تليق بأعمالهم الأدبية السابقة.
أرسل لي صديقي المثقف النائب أيمن عودة قبل أيام رسالة بواسطة جوالي: "أذكر مقالك الذي تستشير فيه القراء بالاستئذان، ونحن كلنا رفضنا وما زلنا نرفض بشدة، ولكن الشيء بالشيء يذكر. أرسل لك الآن أن الكاتب حسن مدن فعلها. وأرجوك ألا تفعلها!".
لا أفهم هذا التعبير "نحن كلنا". فمن نحن ومن كلنا يا صديقي أبا الطيب؟
وعندما وصلت إلى هذه الفقرة من هذا المقال قفز أمامي قارئان على الورقة البيضاء وخاطبني الأول قائلا: ألم تسمع ما قالته أسماء بنت أبي بكر عندما شاهدت ابنها مصلوبا على جدار الكعبة؟ "أما آن لهذا الفارس أن يترجل؟" وأنا أقول لك: أما آن لهذا القلم أن يستريح؟ وأما القارئ الثاني فقال لي: الكتابة جزء من حياتك. فقلت له: أنا أكتب أنا موجود.
سامحوني هي مجرد خاطرة.
مواضيع ذات صلة
"نزع السلاح".. بين المناورات والذرائع!
المجالس المجتمعية.. حين تتحول الفكرة إلى نهج وطني فاعل
تعديل قانون انتخاب الهيئات المحلية.. إعادة ضبط البوصلة الوطنية أم تحصين متأخر؟
مستوطنات لتفريخ الارهاب!
نظام دولي قديم يتفكك وآخر جديد آخذ بالتبلور
الهند والجنوب العالمي
انتهت صلاحية "الجماعة".. ولكن ماذا عن الحرب الدينية؟!