نابلس.. مدينة تتنفس من جراحها وذاكرة يومية للشهداء وساحة لعدوان بزمن مفتوح

نابلس– الحياة الجديدة – بشار دراغمة- تحبس نابلس في كل ليلة أنفاسها، تماما كحال مواطنيها الذين باتوا على يقين بأن العدوان التالي ليس إلا مسألة وقت قصير حتى تبدأ آليات الاحتلال بالاقتحام مجددا، بينما لم تفرغ المدينة بعد من نفض غبار العدوان السابق وآثاره.
أمس الخميس كان مخيم بلاطة في مدينة نابلس يتنفس الحزن الذي أرخى ستائره السوداء فوق المخيم ولم يعد يريد الرحيل، هناك حيث الأزقة الضيقة تنسج حكايات الصمود، وحيث الجدران تحفظ أسماء الشهداء كما تحفظ الأمهات وجوه أبنائهن، دوى صوت الرصاص ليعلن رحيل روح جديدة.
في زقاق صغير في مخيم بلاطة، كانت أنفاس محمود سناقرة تتباطأ، لكنه لم يكن وحده، كان ظله يرافقه، وظل شقيقيه أحمد وإبراهيم يمدانه بالقوة، يهمسان له أن الطريق الذي يسلكه قد سبقاه إليه، وأنه لن يكون غريبا هناك.
قوة خاصة من جيش الاحتلال اقتحمت المخيم، تسللت كما تتسلل الخناجر إلى خاصرة الليل، اقتحمت البيت، ولم تمنح محمود فرصة للنجاة وكأنما كتب عليه أن يلتحق بشقيقيه دون وداع، ودون أن يودع أمه التي شاخت قبل أوانها.
روايات الشهود تؤكد أن قوات الاحتلال أعدمت الشهيد سناقرة بدم بارد بعدما تسللت قوة خاصة بسيارة مدنية إلى المخيم.
نزفت نابلس مجددا، كما تفعل كل يوم، كما لو أنها صارت مدينة تتنفس من جراحها، لم يكن استشهاد محمود سوى فصل آخر من فصول الألم، وامتداد لمسلسل الموت الذي لا ينتهي. وكأن المدينة محكومة بأن تعيش في حداد دائم، بين أم ثكلى، وطفل يتيم قبل الأوان، وسماء لا تعرف لونا سوى السواد، في مدينة يزداد عليها الحصار كل يوم أكثر من ذي قبل.
حواجز الاحتلال العسكرية التي تتكاثر عند مداخل المدينة تشبه القيود التي تطوق أعناق أهلها، لم يبق منفذ واحد إلا وأحكم الاحتلال قبضته عليه. أصبح الدخول والخروج أشبه بلعبة الموت، لا أحد يعلم إن كان سيعود إلى منزله بعد مغادرته أم أن بندقية جندي احتلالي ستقرر مصيره في لحظة ما، كل الطرق مغلقة، إلا تلك التي تؤدي إلى المقابر.
الاقتحامات صارت روتينا يوميا، لا فرق بين الليل والنهار، يقتحم جنود الاحتلال الشوارع كما لو أنهم يعبرون أرضا بلا أهل، يطلقون النار، يداهمون البيوت، يحطمون الأبواب، يسوقون الشباب إلى المجهول، فيما المدينة تئن تحت وطأة الحديد والنار. الجدران التي لطالما حملت شعارات الصمود، صارت تحمل ثقوب الرصاص، وشظايا القنابل، وبقايا الدمار الذي لا يتوقف.
يقول أبو حسن الذي يسكن بالقرب من المقبرة الغربية في مدينة نابلس التي تعرضت لعدة اقتحامات على مدار الأيام الماضية، إن "جنود الاحتلال يدخلون بلا سابق إنذار، يحطمون الأبواب، يجرون الشباب كما لو أنهم أشياء بلا روح".
ويضيف: "في كل مرة نعتقد أنها الأخيرة، لكنها لا تكون كذلك، وكأننا محكومون بأن نستيقظ على صوت الرصاص وننام عليه".
أما أم محمد نور التي عايشت عملية اقتحام بلاطة أمس فتقول: "لم أعد أحصي الليالي والأيام التي قضيناها تحت حصارهم، لم يعد هناك فرق بين النهار والليل، حتى أصواتنا اختنقت بين الجدران المغلقة، كلما اقتربت من نافذتي، أخاف أن أرى ظلهم على الجدار، أن يكونوا هنا مجددا".
مواضيع ذات صلة
ارتفاع حصيلة الشهداء في قطاع غزة إلى 72,594 والإصابات إلى 172,404 منذ بدء العدوان
ارتفاع أسعار النفط مع تعثر إنهاء الحرب وإغلاق مضيق هرمز
إصابة سيدة برصاص الاحتلال شمال قطاع غزة وقصف مدفعي يستهدف مناطق متفرقة
اللجنة الوطنية العليا لإحياء ذكرى النكبة الـ78تعقد اجتماعها التحضيري الأول
الأغوار تودع حارسها...
الاحتلال يخطر بهدم 5 منازل وحظيرة أغنام في قرية بيرين جنوب شرق الخليل
الهلال الأحمر الفلسطيني يواصل جهوده الإنسانية في الإجلاء الطبي من قطاع غزة